وفي أثناء هذه المدة عرض الكومودور نابير على محمد علي باشا أن الحكومة الإنكليزية تسعى لدى الباب العالي في إعطاء مصر له ولورثته لو تنازل عن الشام ورد السفن التركية إلى الدولة العلية فامتثل لهذا الأمر وقبل هذه الشروط لحفظ مصر لذريته وتم بينهما الاتفاق في نوفمبر سنة 1840. ولم يقبل الباب العالي هذا الاتفاق إلا بعد تردد وإحجام.
و بمجرد إخلاء الجيوش المصرية لبلاد الشام وجبال لبنان تحركت في سكانها الدوافع الدينية القديمة الكامنة ، وزادت الدسائس الأجنبية لإضرام نار الشقاق وبذر الفتن الداخلية توصلا لغاياتهم. وكانت فرنسا مساعدة للمارونية الكاثوليك، وإنكلترا معضدة للدروز ضدهم لتلجئهم لترك المذهب الكاثوليكي واعتناق المذهب البروتستانتي ، فيدخلوا بذل تحت حمايتها الفعلية. ولا يعود لفرنسا حجة حمايتهم لسبب مذهبي. وظن كل فريق من هؤلاء التعساء أن الدولة التي تغرره تود صلاح حاله وترقيه ، ولم ينتبهوا لدخائل هذه السياسة الخبيثة التي لا يتأخر أصحابها عن إهراق دماء الأبرياء توصلا لمآربهم. وبهذه الدسائس ساد الهياج في جميع أنحاء لبنان وظهر ما تكنه صدور سكانه من الأحقاد القومية والدينية ، حتى تعدى الدروز على المارونية في سنة 1841 ، ودخلوا دير القمر وارتكبوا فيه ما تقشعر منه الأبدان من النهب والسلب .. ثم قام الدروز ثانية في سنة 1845، وقتلوا المسيحيين وحرقوا جثثهم ثم أضرموا النار في الدير بعد أن نهبوا كل ما به من المنقولات والأمتعة. بدون أن يحصل أقل أذى للمبشرين البروتستانت من الأمريكان والإنكليز!! الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن هذه المذابح لم تخل من تأثيرهم.