فهذه الأمور تتدرج بدءًا من مستوى الفهم العادي ، وصولًا إلى العبقرية التي عرفوها تعاريف كثيرة من أدقها أنها (القدرة على التحليل والتركيب) فعندما تكون لديك معلومات. عليها العقل ويعيد تركيبها في مفاهيم ومدارك .. فاللغة ثمانية وعشرين حرفًا .. يختلف مستوى استعمال الناس لها ، من أبله يتمتم بألفاظ لا معنى لها ، إلى شاعر يخرج منها بيانًا كأنه السحر، إلى فيلسوف يصيغها حكمًا ومعرفة.
وكل هذا يعتمد كما أسلفت على الموهبة والملكة والفهم والذكاء والإدراك من جهة ومن جهة ثانية على المعارف المكتسبة ، التي بدونها لا يستفيد الإنسان من مواهبه ومداركه التي تتماوت بفعل الجهل والركود الفكري. وكذلك فإن المعارف والمدارك المكتسبة ترفع مستوى الجاهل ليكون عالمًا مدركًا ولكنها لا تسمو به إلى مستوى العبقرية والإبداع ، إلا بالملكة والموهبة والفهم والذكاء والحكمة. وهذه عطية من الله تعالى .. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: إنما العلم بالتعلم (فالتعلم ممكن) . وإنما الحلم بالتحلم (وهذا كذلك) . ومن يتصبر يصبره الله. فهي معارف وسلوك مكتسب .. ولكن الله تعالى قال (يؤتي الحكمة من يشاء) .. فهي هبة ، (يؤت الملك من يشاء) ، (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. و نسأله من واسع فضله كرمه ورحمته وجوده. فهو مالك الملك سبحانه.
وإذا كانت المعارف والمعلومات هامة للمجاهد في كل وجه وفن ، فإنها تزداد أهمية بقربها من ساحة الصراع الذي يعمل فيه ، والقوى التي تشتبك في هذا الصراع.
فلا بد من معرفة واسعة بأنفسنا وبعددنا وعدتنا ،وبساحة الصراع وشبكة القوى والمؤثرات فيها.
فالحكم الشرعي لا يصح إلا بفقه الواقع وإنزال العلم الشرعي والنص والفتوى عليه. وبقدر جهله تخرج الفتوى السياسية الشرعية عن سياقها.