[لا شك أن الجهاد بالنفس أعلى مرتبة من الجهاد بالمال ، ولذلك لم يعف الأغنياء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من المشاركة بأنفسهم. من أمثال عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ، لأن صقل النفوس وتربية الأرواح إنما تتم على مستوى رفيع في خضم المعركة ، ولذا فقد أوصى صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه قائلا: ( ... وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام) ولذلك فعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيفتن المرء في قبره؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) .
ولذا فقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانشغال بالدنيا عن الجهاد: فقد أشار ذات مرة إلى سكة محراث وقال: (لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل) .
وفي الصحيح: (إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم بأذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعون إلى دينكم) .
وفي الصحيح كذلك: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) والضيعة: هي العقار أو الحرفة ، ففي هذه الأحاديث جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم متاع الدنيا وأسباب الانشغال: الزراعة ، والتجارة بالربا وحيلة (العينة) والإنتاج الحيواني ، والصناعة ، والحرف (الصنعة) ، فالانشغال بهذه في وقت يتعرض فيه الإسلام لمعركة الوجود أو الاجتثاث يعد حراما و موبقة شرعية.
أما الجهاد بالمال فهو فرض إذا احتاج المجاهدون إليه ، فرض على النساء وفي أموال الصغار حتى لو كان الجهاد فرض كفاية ، كما قرر ذلك ابن تيمية.
ولذا يحرم على الناس الادخار في حالة الحاجة للمال ، بل لقد سئل ابن تيمية سؤالا: (لو ضاق المال عن إطعام الجياع والجهاد الذي يتضرر يتركه فقال: قدمنا الجهاد وإن مات الجياع ، كما في مسألة التترس وأولى ، فإن هناك - التترس - نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله) .