وإبصار القلوب للبصائر والآيات الربانية تأتي نتيجة التقوى والطاعة و الاجتهاد في العبادة (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (الأنعام:104) وهذه البصيرة تفجر في القلب ينابيع المعرفة والإدراك. وهذه لا تنال بكسب ولا دراسة ، إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه ودينه على قدر بصيرة قلبه ، (وهذه البصيرة تنبت في أرض القلب) ، يفرق به بين الحق والباطل ، والصادق من الكاذب ، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} (الحجر:75) .
وكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها ، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه ، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ، ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشهوات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ، ولاسيما إذا قامت له شبهة ، فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصورة وينطمس وجه الحق. وإذا كان الحق ظاهرا لا خفاء به ولا شبه فيه أقدم على مخالفته وقال: لي مخرج بالتوبة. وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (الأعراف:169) .
فإن إتباع الهوى يعمي عين القلب ، فلا يمز بين السنة والبدعة ، أو ينكسه فيرى البدعة السنة والسنة بدعة ، فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات. (الفوائد:113) .