ثم قامت لهم ثورة عارمة في عهد الخليفة المعتز بالله. قادها رجل فارسي دعا نفسه محمد بن علي وزعم أنه علوي النسب وتروي الروايات، أنه قدم من الأهواز سنة 255هـ ونزل في منطقة تقع في جنوب العراق حيث كان يقوم باستصلاحها الزنوج الإفريقيون ، وكانوا يلاقون ظلما مريرا من أصحاب الأراضي. فاندس فيهم ذلك الرجل وادعى أنه من آل البيت، ودعاهم لاتباعه ليحررهم من الرق، وينجيهم من عذاب أسيادهم، وأخذ يظهر لهم، بما أوتي من ذكاء وسعة حيلة، أعمالا فيها كثير من الشعوذة وينبئهم بأخبار يزعم أنها من الغيب.
وقد أقام دعوته على دعوة الخوارج وهي المساواة بين المسلمين. وقد استجاب له الأعراب الذين كانوا يسكنون في بوادي البصرة ، ويعملون لشظف العيش بشن الغارات على القرى واعتراض قوافل الحجاج، ينهبون ويسلبون ، وقد أغراهم بما يطمع فيه الفقراء الذين ضمر في قلوبهم الشعور بالإيمان وتراخت عقيدتهم، فأباح لهم شيوعية الأموال والنساء، وهي عقيدة مزدك الفارسي، فاجتمعوا عليه مؤمنين بدعوته.
وقد عرف القائم بتلك الدعوة، الناظم لتلك الجموع الغفيرة بصاحب الزنج، لأن العدد الغالب من أتباعه كان منهم، ولأنهم أول من استجاب لدعوته، فاستولى على البحرين و الأحساء، ثم توجه صعدا إلى البصرة. وفي شوال سنة 257هـ أغار على تلك المدينة وهي غافلة، فداهمها بجموعه وأمعن أتباعه فيها نهبا وسلبا وقتلا وتحريقا، فلم يسلم من أهلها إلا من هرب وهام على وجهه يلتمس النجاة.
وأوى من ظل في المدينة إلى المسجد الجامع ظنا منهم أنهم يأمنون فيه على أرواحهم، لكن الثائرين ما لبثوا أن داهموا المسجد وقتلوا من أوى إليه، ثم اقتحموا البيوت وقتلوا الأطفال وسبوا النساء، وفيهم كثير من شرائف النساء، فتقاسمهم الآسرون، ومن دخلت في سهمه استخدمها وفجر بها ثم باعها.