وأما ابن حزم الذي عاش زمن ملوك الطوائف ، فقد مر قوله يعرض بفقهاء القصور ، وعلماء السلطان في زمانه:
( .. مسلطون لليهود و النصارى على قوارع طرق المسلمين. معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله. غرضهم منها استدامة إنفاذ أمرهم ونهيهم.
فلا تغالطوا أنفسكم ، ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه ، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع. المزينون لأهل الشر شرهم. الناصرون لهم على فسقهم ... ) وقد طفحت كتب التاريخ بما سجله علماء الحق ، وأئمة الهدى الذين اعتزلوا قطار الظلم والضلال مما عانوه وشاهدوه من فساد طبقة علماء السلاطين ، وممالأتهم للأمراء.
وكان هذا من أسباب فساد الأحوال التي مهدت ، لتتابع العقاب السنني القدري ، باجتياح غارات الأعداء لعقر ديار المسلمين. قال تعالى:
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الإسراء:16)
وهكذا جرت السنن على تلك الممالك ومن عاش فيها من حكام ومحكومين ..
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود:102) .
وهكذا مضت الأمم وتفانت الدول ، وبقيت العبرة مريرة والسنن ماضية .. قال تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:45 - 42) .وهكذا هجم الروم والصليبيون على بلاد المسلمين من الغرب ، واجتاحهم المغول من الشرق ، وسقطت بلاد الإسلام والمسلمين تحت سنابك خيل العدو. ليسجل لنا التاريخ أهوالا يشيب لذكرها الولدان ، وتقشعر لها الأبدان. بما كسبت أيدي الناس حكاما ومحكومين ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (قّ:37) .