فجهاد الأعداء دين وفريضة ثابتة. ولكن كيفيته وأساليبه وأدواته ونظامه ... ، كلها متغيرات تركت الشريعة الباب فيها مفتوحًا للإبداع والعطاء البشري وفق ما يفتح الله على عباده ..
والعبث بثبات الثابت لا يؤدي إلا إلى كوارث أقلها الفشل والهزيمة ، وأسوأها البوار عند الله تعالى جزاء على اللعب بمحكمات دينه تبارك وتعالى.
وتثبيت المتحول بتعطيل سنن الله تعالى في خلقه، والتضييق على عباده ، و اختزال للآفاق التي وسعها الله سبحانه على عباده.
فمثلًا عند ما قال الله سبحانه وتعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:123) . تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بغاية الحركية والسعة ، فقاتل أعداءً قريبين وتجاوز عن بعضهم إلى بعيدين. وهكذا بدا أن الذين يلونكم ليست تعني بالضرورة الأقرب مسافةً على وجه الإلزام الشرعي. وإنما تشتمل قرب الزمان وقرب الضرر والأذى. وهذا ما فهمه الفقهاء و لخصه الإمام الشافعي بقوله: في الأم (4/ 177) :
[فإن اختلف حال العدو فكان بعض أنكى من بعض أو أخوف من بعض ، فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف و الأنكى ، ولا بأس أن يفعل. وإن كانت داره أبعد إن شاء الله تعالى حتى ما يخاف لمن بدأ به لما لا يخاف من غيره مثلا. وتكون هذه بمنزلة الضرورة ، لأنه يجوز في الضرورة مالا يجوز في غيرها. وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحارث بن أبي ضرار أنه مجمع له ، فأغار النبي صلى الله عليه وسلم عليه وقربه عدوا أقرب منه. وبلغه أن خالد بن أبي سفيان بن شح يجمع له فأرسل ابن أنيس فقتله وقربه عدوا أقرب] .