ثانيا: هناك من الأئمة الكبار المجتهدين الأعلام ، مثل سفيان الثوري ، و الأوزاعي ، وابن مبارك ، والشعبي، وسعيد بن جبير، ... وسواهم رحمهم الله. ممن عاشوا في ذلك الزمان خلال القرن الثاني والثالث. من كان لهم تلك المنزلة كمجتهدين أصحاب مذاهب فقهية ومدارس في الاجتهاد. ولكن مذاهبهم لم تحفظ كتابة ، ولم تتطور لمرحلة المدرسة، كما حصل للمذاهب الأربعة. فما وصل إلينا من أقوالهم واجتهاداتهم وأدلتهم على ما ذهبوا إليه ، فإن له نفس المنزلة العلمية لدى من لديه الأهلية من أهل العلم للبحث والاستنباط.
ثالثا: جاء من بعد أولئك الأئمة الأعلام خلال العصور العلمية الذهبية ، وإلى القرن الثامن الهجري ، جاء علماء أفذاذ بلغوا مراتب الاجتهاد. ولكن غالبيتهم الساحقة اجتهدت على أصول مذهب (من المذاهب الأربعة) ، رغم أنه كان لهم بعض اختياراتهم الفقهية التي خالفوا بها المذاهب الأخرى أو حتى مذهبهم الخاص. وكل تلك الآراء والفتاوى أيضا تراث علمي ،لا يقل منزلة عن غيره. ويعلم أهل العلم في كل زمان ومكان مكانة هذا التراث. وهم أدرى بالإفادة منه والرجوع إليه والصدور عنه.
رابعا: إن التزام عامة المسلمين بالمذاهب الأربعة عبر العصور، كان له - إلى جانب ما يسوق البعض من سلبيات حصر الاجتهاد وإغلاق بابه - كان له إيجابية عظيمة يعرف قيمتها من يطلع على حالة (الفلتان الفقهي) ، التي حصلت خلال القرن الأخير نتيجة المطالبة غير المنضبطة، (يفتح باب الاجتهاد) و (نبذ الالتزام بالمذاهب الأربعة) والعودة بالفقه والفتوى (بزعم مدرسة الدليل) إلى (اعتماد الكتاب والسنة مباشرة) والتشدق بشعار (هم رجال ونحن رجال) و القول بأن (المستجدات تقتضي فتح باب الاجتهاد على مصراعيه) .