وقد رأى ابن خلدون ـ وأثبتت حوادث الأيام ما رأى ـ أن الدول كذلك تمر بهذه الأطوار .. فهي تنشأ وتشب وتستوي قواها ثم تذبل وتضعف، وتنهار قواها ، ثم تموت ليتقاسم إرثها وحضارتها وأراضي شعوبها دول أخرى، وهكذا وكما تتفاوت أعمار الإنسان، تتفاوت أعمار الدول. وكما يموت البعض بسبب أمراض داخلية أو عدوى أمراض خارجية، فكذلك الدول في الغالب. وكما يختطف موت الفجأة أو القتل بعض البشر، فربما هلكت دول بمفاجأة قوى أكبر منها ، أو بالعوارض الطبيعية .. وقد تعمر بعض الدول أشهرا أو سنوات، وقد مر في التاريخ دولا وحضارات قد عمرت آلاف السنين أو مئاتها .. وصدق الله العظيم:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26) .
ومن المهم الذي أشار إليه ابن خلدون أن الدول تنشأ لاجتماع مؤسسيها على عصبية ما (يقصد رابطة) ، قد تكون ملِكا ، أو قرابة ، أو دينا ، أو عرقا قوميا ، أو مصالح مشتركة ... فتنشأ عصبية المُلْك. وتبدأ أمرها بقيامهم على العصبية فيما بينهم ، وعلى الخشونة والبأس والتضحية في سعيهم.
وغالبا ما يكون المؤسسون الأوائل زاهدون في المتاع ، منصرفون إلى الحرب والجد والبناء .. ثم يتلوهم جيل يولد في القوة والنعيم فيكتسب صفات من قبله لقربه منها ويحافظ على الملك ويطوره، ولكن بشيء من الترف والمتعة في الملك. ثم يتلوه جيل أقل صلابة وأكثر ترفا وبعدا عن الكد والتعب ، وهكذا حتى تقوم أجيال قد انحلت لديها العصبية، وأرخت قواها ومفاصلها أثار الترف والنعيم ، فيدب الضعف للدولة، فتطمع بها دول أو عصبيات أخرى فتعدوا عليها وتستلب ملكها لتبدأ الدورة مع الجدد من جديد .. وقد تكون أسباب السقوط داخلية أو خارجية وقد تجتمع كل العوامل ..