ومن أشهر ذلك ما قام في العالم القديم آسيا وأفريقيا وأوروبا ـ وهو العالم المتواصل جغرافيا وحضاريا مثل ما كان بين حضارة فارس القديمة التي عمرت عدة آلاف من السنين. وحضارة اليونان وصراعها على خط التماس في الشرق الأوسط. وهي مناطق بلاد الشام والعراق وتركيا (أو ما يعرف بهضبة الأناضول أو آسيا الصغرى) .. وقد شهدت تلك المرحلة انتصار فارس وتفكك حضارات اليونان وضعفها وتمزقها، ثم نهوضها مرة أخرى وتوحدها على يد القائد التاريخي الإسكندر المقدوني، الذي جمع اليونان ثم غزا بهم المشرق ودحر الفرس ووصل إلى تخوم الصين. كما دخل مصر الفرعونية ومعظم بلاد المشرق.
ثم نهضت فارس ثانية وأقامت إمبراطورية امتد ملكها من بلاد الرافدين في العراق إلى بلاد فارس (إيران) والسند (باكستان) وأفغانستان وأجزاء من وسط آسيا. وفي ذلك الحين نهضت الإمبراطورية الرومانية في شبه الجزيرة الإيطالية وورثت حضارة اليونان وتمددت لتشمل كل البلاد المحيطة بالبحر المتوسط: الشام ومصر وشمال إفريقيا وأجزاء من الأنضول وكافة القارة الأوروبية.
وهكذا آل النظام الدولي القديم إلى وجود حضارتين متنافستين، تتحاربان أيضا على خطوط التماس في الشرق الأوسط، في الشام والعراق!.
وكان لذلك النظام الدولي كثيرا من صفاته في الوقت الحاضر ، من نفوذ الدولتين العظميين على جيرانهم، وتدخلهم في شؤونهم الداخلية. وقيام نظام الحروب بالوكالة بين أتباع الإمبراطورية الفارسية من أعراب العراق وبلاد الرافدين وهم ملوك المناذرة الذين كانوا على دين أسيادهم الفرس مجوسا يعبدون النار مثلهم. وبين أتباع الإمبراطورية الرومانية البيزنطية التي آلت عاصمتها إلى القسطنطينية وهم عرب الشام الغساسنة وكانوا على دين أسيادهم الرومان نصارى مثلهم ..
وقد تبادل الروم والفرس النصر والهزيمة مرات عدة في حروب طاحنة أيضا، كما قامت بينهم في أيام السلم علاقات التبادل الحضاري والإقتصادي ..