انعكس في حياة المجتمع الإسلامي ما عاناه في حياته السياسية والاقتصادية من فوضى واضطراب. فقد استذلته الأحداث السياسية وأفقرته الأحداث الاقتصادية وتشتت شمله في دويلات، آلت معها حياة المجتمع الإسلامي إلى طبقة عليا مترفة، التفت حول ملوك وأمراء متغلبين، تزين لهم ظلمهم لتنعم بعطاياهم، وتسلك سلوكهم فيما ينكره الدين والأخلاق. وطبقة سفلى يشيع فيها الفقر والبؤس والحرمان ويحملها ذل الحاجة إلى سلوك ما لا يحله الدين أيضا.
وفي كلتا الطبقتين شاع عند السفلة منهم تعاطي الخمرة وما يتبعها من لهو وفجور، كان يجري في الطبقة العليا بمظاهر الترف، وكان يجري في الطبقة السفلى في مظاهر الحطة والبؤس. وبين الطبقتين، العليا والسفلى، كانت طبقة الخاصة، وهي الطبقة الوسطى، وفيها العلماء من فقهاء ومحدثين ومفسرين، وفيها الصلحاء من أهل الزهد والتقوى، ولم يكن لهؤلاء، كما كان لأسلافهم، مقام يدنيهم من الملوك والأمراء، ولا مسمع لقول عاذل ونصيح، وليس لهم سلطة تمكنهم من الردع بالقوة لما يجري من الفواحش، فقد جهر كثير من الناس بشرب الخمرة، يتعاطونها في حانات الخمارين وفي المتنزهات، ويلتمسون معتقها في الأديرة.
هذه هي السمات العامة التي كانت تطبع المجتمع الإسلامي في العصر العباسي الثاني وما تلاه، وقد مهد لها العصر العباسي الأول، بما ساد فيه من مظاهر الترف والانصراف إلى الملاذ والجهر بها مع كثير من اللهو والمجون والتحدي للدين والأخلاق، وهذا ما نراه مبسوطا في أشعار أبي نواس وأخباره مع مطيع بن إياس وحماد عجرد و والبة بن الحباب، وفي أشعار ابن هرمة ومسلم بن الوليد، وغيره من شعراء ذلك العصر من الماجنين.