وكما نراها مبسوطة في كتب الأدب والأخبار كالأغاني والعقد الفريد ونهاية الأرب والنجوم الزاهرة وعيون الأخبار، وغيرها من كتب الأدب، وكما نراها منثورة في كتب التاريخ والأخبار كالطبري وابن الأثير ومروج الذهب للمسعودي، وتاريخ بغداد وتاريخ ابن كثير وغيرها من كتب التاريخ. وكلها شاهد - وإن كان فيها كثير من الدس والتأليف - على التراخي في تنفيذ تعاليم الإسلام عند الطبقة الحاكمة ومن التف حولها.
وكان أول ما انحسر من تعاليم الإسلام العدل، وقد أخلت به الأهواء التي اشتد فيها الصراع على الملك وما يتبعه من الظلم والاستبداد، يمارسهما صاحب السلطة على هواه، خليفة أو ملكا أو سلطانا أو أميرا، ويأخذ الناس بالظنة، فيقتل ويصادر الأموال ولا معقب لما يشاء، وبرزت في هذا الجو المشبع بالظلم، ظاهرة الخوف ومعها ظاهرة النفاق.
وكلاهما من العوامل التي عطلت العقل عن النمو فجف عطاؤه وتراخت عزائمه، وأصبح الخائف في معزل عن الحياة العامة خوفا من وشاية واش، أو تعرضه لما يخشاه، وسلك مسلك الزهد والتصوف طلبا للسلامة. وشاع النفاق في ضعاف النفوس، يزين به المنافقون صنع السلطان فيزيدونه طغيانا، لينالوا رفده، فهم فيما يفعلونه أعوانه في الظلم.
وقد دون رواة موثوقون ما شهدوا من ظاهرة الظلم والجور في العصر الذي عاشوا فيه، وإليك ما دونه الرحالة ابن حوقل المتوفى سنة 367هـ، في مقدمة كتابه: (صورة الأرض) ، وفيه يصف ما عاينه في بغداد قبل سفره: ( ... وأعانني على تأليف هذا الكتاب تواصل السفر وانزعاجي عن وطني مع ما سبق به القدر، لاسيما الرزق والأثر، والشهوة لبلوغ الوطر، بجور السلطان، وكلب الزمان، وتواصل الشدائد على أهل المشرق والعدوان، واستئناس سلاطينه بالجور والطغيان، وكثرة الجوائح والنوائب، وتعاقب الكلف والمصائب، واختلال النعم وقحط الديم) .