على أن الفكرة رسخت في أذهان العثمانيين فتلقاها السلطان محمود وعمد إلى الإصلاح من الوجهة الإدارية والعسكرية فبدد جند الإنكشارية واحل محلهم جيشا منظما واخذ يبعث بمنشورات الإصلاح إلى الولاة والحكام ولكنه توفي ولم يتمم من فروع الإصلاح إلا تنظيم الجند تنظيما غير تام.
وكانت فكرة الإصلاح قد سرت بين فئة من رجال الدولة فقاموا يبثونها على عهد السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز وأعظمهم شأنا وأعلاهم يدا مصطفى رشيد باشا وعالي باشا وفؤاد باشا ، فلما توفي السلطان محمود وخلفه السلطان عبد المجيد. نشر خط الكلخانة المشهور سنة 1839 م أي في 26 شعبان سنة 1255 هجرية. فكانت له ضجة اهتزت لها أوروبا واخذ رجال الدولة منذ إصدار ذلك الخط الهمايوني ينظمون القوانين الخاصة لكل فرع من فروع القضاء. ثم تألفت لجنة جمعت أعاظم الأساتذة العثمانيين فألفوا المجلة الشرعية التي صدرت الإرادة الشاهانية من السلطان عبد العزيز عام 1289 هجرية بالسير حسب نصوصها وسن قانون الأراضي سنة 1274 هجرية وقانون الطابُّو سنة 1275 هجرية وقانون الجزاء سنة 1274 هـ وكل هذه القوانين مقتبسة من القوانين الفرنسية مع مراعاة نصوص الشريعة الإسلامية (!!) ثم وضع قانون التابعية (الجنسية) العثمانية وتنظيم المحاكم الشرعية! والمحاكم النظامية والمحاكم التجارية {وهي قوانين وضعية} ونظامات الإدارة الملكية ، ونظام إدارة الولايات ، ونظام شورى الدولة. ووضعوا نظاما للمعارف ، ونظاما للمطبوعات ، ونظامات أخرى للمطابع والطبع وحقوق التأليف والترجمة. ونظامات للرسومات وآخر للمعادن وغيره للطرق والمعابر وغير ذلك مما يقتضيه سير الحضارة ويلائم حالة الأمة. وبالجملة فإنهم لم يتركوا شيئا من لوازم إدارة الدولة حتى دونوا له قانونا. فمجموع هذه القوانين و النظامات كان معروفا في بلاد الدولة العلية بالدستور.