حيث كانت البنية الاجتماعية القبلية متماسكة سليمة البنيان، وهكذا رجع الناس إلى رؤوسهم من العلماء ورؤوس القبائل وصدروا عن رأيهم.
ومع قدوم الصليبيين هب العلماء والخطباء يحثون الناس على الجهاد ويطرقون أبواب الأمراء يحرضونهم على القتال، بدءا من باب الخليفة في بغداد وصولا إلى أبواب أمراء الشام ... ولكن المراجع التاريخية تروي قصصا مؤسفة من حالة التفكك وفساد أنواع الأمراء وحكام المدن والحصون .. وقد ذكر بعض المؤرخين من قصص تلك المرحلة، أن العلماء جالوا المساجد واستحثوا الناس وجمعوا أموالا من أجل بناء جيش للجهاد، و طرقوا أبواب الأمراء بحثا عن أهل لهذه المهمة، فلم يرحب بهم أحد من الأمراء حتى سمعوا بأحدهم على أنه مظنة خير ونخوة، فذهبوا إليه ودفعوا إليه المال بعد أن وعدهم خيرا، ثم رجعوا إليه ولم يعثروا عليه فبحثوا عنه شهرا في بادية الشام فوجدوه قد خرج للصيد وبنى بأموالهم التي جمعت لجهاد الصليبيين قصرا في البادية ليأوي إليه مع ندمائه وحاشيته في ليالي الصيد والقنص!!
وروى المؤرخون أن حال أكثر الأمة آنذاك كان انصرافا إلى الدنيا وزخرفها ورووا كيف أن الخطباء والوعاظ كانوا يلهبون حماس الناس في المساجد التي كانت تضج بالبكاء والعويل، حتى ما إذا خرج الرجال من المسجد عاد كل إلى دنياه لا يلوي على شيء ... وكأنما يعيد التاريخ نفسه اليوم!!
وسرعان ما أفاقت الأمة من الصدمة وعملت المرجعية الدينية عملها في الأمة، حيث تروي الكتب التي أرخت لتلك المرحلة كيف قامت هذه المرجعية الدينية بشحذ همة رجال الأمة وكيف تجاوبت المرجعية الاجتماعية ورؤوس القبائل والعشائر في الشام وما حولها مع نداءات الجهاد، وباشرت نخب الأمة آنذاك بالاشتباك مع الصليبيين منذ اليوم الأول .. إلى أن تصاعدت المقاومة.