وقد سجل التاريخ الحديث أن الثورات الجهادية التي قارعت الاستعمار وواجهت الحملات الصليبية الثانية قد اشتعلت في كافة بلاد العالم الإسلامي، ولم تترك الاستعمار ينعم بالهدوء. فكانت الثورات ما تلبث أن تهدأ لتندلع من جديد. فقد أجبرت ثورات العلماء بريطانيا على الرحيل مبكرا عن أفغانستان ، ثم جلت عن الهند وباكستان بعد احتلال دام قرابة قرنين ، وكذلك أجبرتها ثورات العراق ومصر والسودان وعدن على الرحيل بعد خسائر كبيرة، وكذلك خرجت فرنسا من الجزائر وتونس والمغرب وسوريا بعد خسائر فادحة. وبنفس الطريقة خرجت إيطاليا من ليبيا وكذلك أسبانيا من المغرب ... وهلم جرا.
والدارس لمسار الحملات الصليبية الثانية يجد بعض النقاط الهامة في الإختلاف وتطوير الصليبيين لأساليبهم بين الحملتين الأولى والثانية، ومن أهم ذلك:
أن الحملات الصليبية الأولى كانت ذات بعد ديني أساسا ممتزج ببعد اقتصادي ثانوي. في حين كانت الحملات الثانية ذات بعد ديني صليبي واقتصادي استعماري وسياسي من أجل الصراع على النفوذ. وكذلك ذات بعد حضاري يقصد إلى نشر ثقافة المستعمر ونظمه العلمانية في البلاد المستعمَرة.
أن الحملات الصليبية الأولى تركزت على سواحل المشرق والشام فقط، في بيت المقدس وأكنافه وسواحل سوريا ولبنان. في حين استهدفت الحملات الصليبية الثانية كامل بلاد العالم العربي والإسلامي، وتركزت في الشرق الاوسط وفي دعم إسرائيل في بيت المقدس.
أن الحملات الصليبية الأولى استهدفت الأرض باحتلالها، في حين استهدفت الحملات الثانية احتلال الأرض والإنسان المسلم الذي قصدته بالمسخ والتغيير في كافة أبعاد مكوناته الحضارية.