ففي حين رأى بعضهم بأن الحل يكمن في التربية والإصلاح واعتزال السياسة ... رأى آخرون الحل والإصلاح في اقتحام ميادينها من البوابة المشروعة (قانونا) ، من خلال ما تتيحه تلك الحكومات .. رأى الفريق الثالث (والذي نحن بصدده في هذا الفصل) أن الخرق قد اتسع على الراقع، وأنه لا بد من حمل السلاح لعلاج هذه الأوضاع .. لاسيما بعدما أثبتت تلك الحكومات وأجهزتها القمعية، أنها جاهزة لتقليم أظافر الصحوة دائما عبر تصفية قياداتها باغتيال زعمائها أو زجهم في السجون لعشرات السنين، ومطاردة أتباعهم وتضييق كل سبل الدعوة إلى الله حتى السلمية منها .. وهنا .. بدأت تتبلور الأفكار الأولى لميلاد التيار الجهادي المعاصر .. نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن المنصرم ..
كانت حركة الإخوان المسلمين (بصورة رئيسية) المحضن الطبيعي الذي يمكن أن تولد فيه مثل هذه الأفكار وتنتشر. فقد كونت دعوة حسن البنا رحمه الله مناخا مناسبا لهذه التطورات. ولا أدل على ذلك من شعارها الذي اختصر منهجها (الله غايتنا. الرسول قدوتنا. القرآن دستورنا. الجهاد سبيلنا. الموت في سبيل الله أسمى أمانينا) ، رغم أن فكرها وممارساتها قد حمل كثيرا من الاختلاط الفكري والمنهجي، من مؤثرات صوفية وسلفية ووطنية وديمقراطية وسوى ذلك. كما شكلت ممارساتها الجهادية المبدئية دليلا آخر على صلاحية أن تكون محضنا لميلاد التيار والفكر الجهادي في رحمها.