كان على رأس تلك الأزمات الفكرية؛ أن أيا من التنظيمات الجهادية لم تقدم في أدبياتها مشروعًا متكاملًا على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية لبرنامجها لتغييري ، وبدت للجماهير ولاسيما للقطاع المثقف من الأمة وكأنها تسبح في الماضي في معزل عن مشاكل الأمة المعاصرة. وكان فقه الواقع مغيبًا في طروحاتها وأديباتها إلى حد كبير. ولم يحظ الواقع العربي والإسلامي وإشكالاته نتيجة الجمود الذي طبع عموم المدرسة السلفية المعاصرة - الجهادية السلفية - كجزء منه. وكان ثاني أكبر الأزمات هو التداعيات غير المنضبطة لطريقة الفقه السلفي لدى طلاب العلم الشباب من الجهاديين. فقد سيطر في الصنف الثاني من التسعينات فقه التشدد والتزمت وبسبب جهل بعض المتسلقين على التيار الجهادي لغياب الكتاب الأصلاء فيه في تلك المرحلة ، وبسبب تفشى المنشورات التكفيرية على هامش التيار الجهادي والسلفي ، واستغلال أجهزة الاستخبارات ذلك وتضخيمها لتلك النتوءات. حيث بدأ الهامش الواضح والجدار الفاصل بين الفكر الجهادي والفكر التكفيري يتضاءل أمام جمهور المسلمين في تلك المرحلة. ... (وهذه إشكالية سآتي على تفصيلها في نهاية الفصل السابع والأخير من الجزء الأول إن شاء الله)
ولم تتح الظروف الأمنية الحرجة لكبار الجهاديين ورموزهم أن يتحركوا في ظروف مريحة تمكنهم من الكتابة والردود على تلك الظاهرة الخطيرة ، كما سبب التحاق الكثير من العناصر الجديدة في بؤر تواجد الجهاديين ، ومعظمهم من شباب الواقع العربي المثقل بالإشكاليات والضغوطات النفسية ، مع عدم توفر ظروف مواتية للتربية الفكرية إشكالية كبيرة ، حيث سادت أجواء التطرف والجهل في أوساط الكثيرين من أتباع الجهاديين خلال تلك الفترة ، ولاسيما في مختلف الملاذات في أوروبا وبعض البلدان كاليمن وباكستان وغيرها ..