فقاتل الله الرياء ، وأعوذ بالله من الفخر. وما أذكر هذا من كثير من الذكريات العزيزة إلا لتحفيز المسلمين بإعلامهم بأحوالنا ، وتشويقهم إليها. ولأنها صور رائعة قرأنا عن مثيلاتها في أخبار من سلف فحفزتنا .. ثم عشناها - والحمد لله - فأود أن أصفها لمن فاتته فلعلهم يتحفزون.
وإلا فأنا أقل من أعرف من المجاهدين حالا وسعيا وقد خاب من افترى. ولا أقول إلا ما كان يقوله السلطان المجاهد نور الدين زنكي (الشامي - الحلبي) ، لما كان يرى رحيل الشهداء من حوله في جهاد الصليبيين، فيتحسر ويقول: (لو كان لله بي حاجة لأخذني ، وإنما الأعمال بالنيات) . وكم أنا حقيق بهذا القول وقد مضى جلُّ من أعرف ومن أعددتهم للجهاد وبوأتهم مقاعد للقتال ، أو صحبتهم فيه!
و لكني كاتب وعليَّ أمانة. ولو كان من أعرف من المجاهدين المخلصين كتابا وأدباء ، وكتبوا عن أحوالهم ،لأطاروا ألباب من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. فليس هذا محل فخر. وأي فخر؟! .. وهل يمكن لرجل من هذه الأمة أن يرفع رأسا بفخر ، وقد خرج صبايا المسلمين ونساؤهم يفجرن أنفسهن باليهود في فلسطين وبالروس في الشيشان .. ؟!! ألا لا نامت أعين الجبناء ، ولا تهنأ القاعدون على فراش .. ولا متع الله الخونة بطعام ولا شراب ولا ولد ..
نعم .. لقد خرج ابراهيم ذات يوم من مخبئه ليلا يتجول في أحياء الكوفة متخفيا ، وكان قد خرج وأخوه محمد الملقب بالنفس الزكية وهما إمامان جليلان من آل البيت -عليهم رضوان الله- خرجوا على أبي جعفر المنصور يقاتلون عماله الظلمة في المدينة والكوفة. ثم تواريا اختفيا عن أنظار عماله وجواسيسه.
فرأى ابراهيم ذات ليلة وقد خرج يتجول امرأة تنبش في المزبلة ، وتأخذ منها طائرا ميتا. فسألها عنه، فقالت أنها ستطعمه أيتاما عندها. فقال لها: قد علمتِ أنه ميتة حرام. فقالت له: قد حلَّت لنا.
فبكى رضي الله عنه وقال لها: إن أمثالك سيخرجونني غدا لتضرب عنقي!