وقال محمد بن علي إن المؤمن وقاف متأن يقف عند همه ليس كحاطب ليل فهذا هو النظر الأول في هذه المراقبة ولا يخلص من هذا إلا العلم المتين والمعرفة الحقيقة بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان فمتى لم يعرف نفسه وربه وعدوة إبليس ولم يعرف ما يوافق هواه ولم يميز بينه وبين ما يحبه الله ويرضاه في نيته وهمته وفكرته وسكونه وحركته فلا يسلم في هذه المراقبة بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه يعذر، هيهات! بل طلب العلم فريضة على كل مسلم ، ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم ، لأنه يعلم آفات النفوس ومكايد الشيطان ومواضع الغرور فيتقى ذلك و الجاهل لا يعرفه فكيف يحترز منه، فلا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماتة فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس كل شقاوة وأساس كل خسران. فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل وسعيه بالجارحة فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهم به فإن الخطوة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة والرغبة تورث الهم والهم يورث جزم القصد والقصد يورث الفعل والفعل يورث البوار والمقت فينبغي أن تحسم مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر فإن جميع ما وراءه يتبعه. ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكر في ذلك بنور العلم ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى.