وقال على كرم الله وجهه: (الهوى شريك العمى ، ومن التوفيق التوقف عند الحيرة ، ونعم طارد الهم اليقين ، وعاقبة الكذب الندم وفي الصدق السلامة ، رب بعيد أقرب من قريب ، وغريب من لم يكن له حبيب ، والصديق من صدق غيبه ، ولا يعدمك من حبيب سوء ظن ، نعم الخلق التكرم ، والحياء سبب إلى كل جميل ، وأوثق العرا التقوى ، وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله تعالى، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، والرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك ، فان لم تأته أتاك وإن كنت جازعا على ما أصيب مما في يديك فلا تجزع على ما لم يصل إليك ، واستدل على ما لم يكن بما كان فإنما الأمور أشباه ، والمرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فما نالك من دنياك فلا تكثرن به فرحا وما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفا، وليكن سرورك بما قدمت ، وأسفك على ما خلفت ،وشغلك لأخرتك ، وهمك فيما بعد الموت) .
وغرضنا من نقل هذه الكلمات قوله ومن التوفيق التوقف عند الحيرة فإذن النظر الأول للمراقب نظره في الهم والحركة أهي لله أم للهوى. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم ،ولا يرائى بشيء من عمله ، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا) ... وأكثر ما ينكشف له في حركاته أن يكون مباحا ولكن لا يعنيه فيتركه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) .