وسار الصحب الكرام على سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، فلقد كان القرآن الكريم يربي هذا الجيل تربية جهادية ، ويحميهم من أن ينغمسوا في الدنيا كما يحمي أحدنا لديغه من الماء ، فلقد روى الحاكم في المستدرك (2 - 275) وصححه ووافقه الذهبي ، عن أسلم أبو عمران قال: حمل رجل من المهاجرين - بالقسطنطينية - على صف العدو حتى خرقه ، ومعنا أبو أيوب الأنصاري ، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذا الآية ، إنما نزلت فينا ، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه ، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا ، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم حتى فشا الإسلام وكثر أهله ، وكنا قد آثرناه على الأهلين ، والأموال والأولاد ، وقد وضعت الحرب أوزارها ، فنرجع إلى أهلنا وأولادنا فنقيم فيها ، فنزل فينا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} (البقرة:195) فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد وقد روى عكرمة أن ضمرة بن العيص - وكان من المستضعفين في مكة وكان مريضا - فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني ، فهيء له فراش ثم وضع عليه وخرج ، فمات في الطريق بالتنعيم - على بعد (6كم) من مكة -.
وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود في حمص على تابوت صراف ، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو ، فقيل: عذرك الله ، فقال: أتت علينا سورة البعوث (إنفروا خفافا وثقالا) .
وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهب إحدى عينيه ، فقيل له: إنك عليل ، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
وروى أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلا حاجباه على عينيه من الكبر ، فقال له: يا عم إن الله قد عذرك ، فقال: يا ابن أخي قد أمرنا بالنفير خفافا وثقالا.