فلما قامت الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ، قام خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعباء الحكم والسياسة والريادة الدينية، يعاونه أهل الحل والعقد من علماء الصحابة والتابعين.
فلما انقلب الأمر كسروية قيصرية ، وانتقل إلى الملك العضوض، فالملك الجبري استلزم الملك والسلطان مقومات مثلث السلطة من الكهان والأعوان ..
فسلك أهل الإسلام في ذلك سنة من كان قبلهم .. فما بالك عند ما تحقق ما ورد به رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيام الطواغيت؟ ..
وهكذا كان إلى جانب كل ملك صالح علماء صالحون وأعوان مقسطون. ونادرا ما مر هذا في التاريخ الإسلامي .. وكذلك قام إلى جانب ملوك الجور من الخلفاء والسلاطين والأمراء المسلمين ، علماء سلطان منحرفون على قدر جور أمرائهم ..
إلى أن قام الطواغيت يحكمون المسلمين ، فطغى علماؤهم وابتدعوا وزادوا ونقصوا في دين الله قدر ما استطاعوا. ولم يسلم من عبثهم إلا القرآن الكريم ، الذي تكفل الله بحفظه. وما حفظ من سنته صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك لعب علماء السوء دورهم في تحريف الكلم عن مواضعه وسوء التأويل ولي أعناق النصوص، لتوافق أهواء الملوك .. وكان الجند والأعوان من أعوان الظلمة وأصحاب السيطرة رهن إشارة الملوك الذين انتهبوا من دين أولئك العلماء وفتاويهم ما شاؤوا قدر ما استطاعوا ..
وهكذا حصل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من افتراق القرآن والسلطان .. ومن نعمة الله على أهل مكة الإسلام أن حفظ لهم القرآن بحفظه وقيض لهم من حفظ السنة ونقحها .. وأنعم عليهم ببعض العلماء والعاملين المخلصين في كل ظروف من تقوم بهم حجة الله على خلقه. فوقفوا بالمرصاد لذلك الإنحراف وتحملوا في سبيل الله جبروت الملوك وضريبة مواجهة فقهاء السلاطين وعلماء الضلالة وجهالات وطغيان الجنود والأعوان من أتباع السادة والكبراء.