ومع الوقت اختلطت هذه الشعوب بالرومان وشعوب تلك البلاد الأصلية، وتزاوجت معها ثم تنصرت. وقام لتلك الدول ملوك وحضارات مستقلة، وتبع الجميع روما وبابا الفاتيكان كمركز للإشعاع الديني لكل أوروبا. فيما بقي شرق أوروبا موحدا حيث يقوم قيصر الروم بحكمها ويسيطر على قسم من الأناضول وبلاد الشام ومصر والحبشة وأجزاء من شمال أفريقيا حيث صار للروم الشرقيين الذين سموا (البيزنطيين) ، صار لهم مذهبهم المستقل وكنيستهم الـ (أرثوذوكسية) . وتحولت بعض الممالك في أوروبا إلى الحجم الإمبراطوري كألمانيا وفرنسا وأسبانيا. فيما قامت ممالك أخرى في إيطاليا والبرتغال وإنجلترا على النظام الإقطاعي حيث تحالف الملك والنبلاء والكنيسة خلال تلك العصور الوسطى.
وهكذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 610 ميلادية، وكانت هذه أحوال النظام الدولي آنذاك. الفرس في العراق وإيران وحوض قزوين وأجزاء من أفغانستان والسند، والروم البيزنطيين وملوك أوروبا يتقاسمون الغرب وحوض المتوسط. وقامت دولت الإسلام وتحققت نبوءته صلى الله عليه وسلم حيث أخبر فيما روي عنه:
(ثم فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعدها أبدا، والروم ذات القرون كلما هلك قرن خلف مكانه قرن أهل صخر وأهل بحر هيهات لآخر الدهر، هم أصحابكم ما كان في العيش خير) .
فزحفت جيوش المسلمين لتدخل فارس بمكوناتها في حضارة الإسلام، ولتنتزع من ملك الروم كامل مستعمراتهم شرق وجنوب المتوسط. وليؤول النظام الدولي كما بينا في الفصل السابق، صراعا بين المسلمين والروم.
خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلادي أغرى ضعف المسلمين الروم. وبتشجيع من بابا الفاتيكان الذي التقت نداءاته مع مصالح ملوك أوربا الإقتصادية ومشاكلهم الداخلية وفيما بينهم، انطلقت الحملات الصليبية الأولى من أوربا الغربية، وساهم فيها ملوك أوربا وعلى رأسهم ملوك إنجلترا وفرنسا وألمانيا ، وعاونهم قيصر القسطنطينية بالعتاد وبالأسطول البحري.