استمرت الحروب الصليبية نحو قرنيين ونيف، ولم تنقطع خلالها الحروب الداخلية بين الممالك الأوربية، وكذلك الصراعات الدامية بين نبلاء أوربا وأمراء الإقطاعيات وبين ملوكها، وكذلك بين الملوك والباباوات المتعاقبين. وكذلك بين الروم الشرقيين ومن جاورهم من ممالك أوربا الشرقية. وباندحار الحملات الصليبية كما سنبين في الفقرات اللاحقة من هذا الفصل. عادت جيوش أوربا من المشرق تحمل معها روح الحضارة الإسلامية وعلومها الإنسانية والعلمية، وخلاصة ما حفظته من حضارات الشرق التي صهرتها حضارت الإسلام ونقلت خلاصتها، كحضارات الهند وفارس و التركستان وتخوم الصين.
وخلال تلك العصور الوسطى (من القرن الخامس ، وإلى القرن الخامس عشر الميلادية) كانت أوربا تغط في حال من التخلف والجهل ، وظلمات صراع الملوك وأمراء الإقطاع وهيمنة الكنيسة المتحالفة معهم ، والتي تولت إغراق الناس في ظلمات الجهل والجاهلية. وكانت ممالك أوربا على تماس حضاري مع ممالك المسلمين في الأندلس. وكان أبناء الملوك و كبار النبلاء يقصدون عاصمتها قرطبة وجامعاتها ومكتباتها للدراسة وطلب العلم.
وبقي الحال هكذا إلى أن استطاع الأتراك العثمانيون إسقاط القسطنطينية عام 1453 ميلادية. لتنتهي العصور الوسطى ويبدأ العصر الحديث في أوربا. وبعد ذلك بقليل تمكن ملوك أسبانيا النصارى مدعومين من ملوك أوربا من إسقاط آخر ممالك المسلمين في الأندلس (غرناطة) سنة 1492م. وكذلك ورثوا خلاصة حضارتها. وأدت هذه العوامل إلى نهضة الممالك الأوروبية ودولها القومية.
وفي نفس الوقت مطلع القرن الخامس عشر أيضا، ابتدأ انطلاق روسيا القيصرية شرقا لتسيطر على النصف الشمالي لقارة آسيا (خلال القرون الثلاثة التالية) . وتنضم إلى نادي الدول الأوربية الصليبية الكبرى، ولتدخل في حروب صليبية طاحنة مع الدولة العثمانية فيما بعد كما رأينا.