وكُلٌّ مِنَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، إِذْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي الْكَلاَمِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُبَاحَاتِ لاَ زُهْدَ فِيهَا وَلاَ وَرَعَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُبَاحَاتٌ، وَفِيهَا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الاِسْتِكْثَارَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ يُحْوِجُ إِلَى كَثْرَةِ الاِكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ يُوقِعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَكَثْرَةُ الْمُبَاحَاتِ أَيْضًا تُفْضِي إِلَى بَطَرِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَبِيدِ وَالْخَيْل وَالْخَوَل وَالْمَسَاكِنِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَآكِل الشَّهِيَّةِ وَالْمَلاَبِسِ اللَّيِّنَةِ لاَ يَكَادُ يَسْلَمُ صَاحِبُهَا مِنَ الإِْعْرَاضِ عَنْ مَوَاقِفِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّضَرُّعِ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ أَهْل الْحَاجَاتِ وَالْفَاقَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَمَا يَلْزَمُ قُلُوبَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ لِذِي الْجَلاَل وَكَثْرَةِ السُّؤَال مِنْ نَوَالِهِ وَفَضْلِهِ آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، لأَِنَّ أَنْوَاعَ الضَّرُورَاتِ تَبْعَثُ عَلَى ذَلِكَ قَهْرًا، وَالأَْغْنِيَاءُ بَعِيدُونَ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ، فَكَانَ الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ فِي الْمُبَاحَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لاَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، وَيَدُل عَلَى اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَلاَّ إِنَّ الإِْنْسَانَ لَيَطْغَى} {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (1) } ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ (2) } أَيْ مِنْ أَجْل أَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ
(1) سورة العلق / 6ـ7.
(2) سورة البقرة / 258.