فقد نص جمهور الفقهاء على استحباب تقديم الوضوء على الغسل واختلفوا في غسل الرجلين من الوضوء (1) :
فمنهم من استحب تأخير غسل رجليه إلى آخر الغسل.
ومنهم من رأى غسل الرجلين مع الوضوء.
ومنهم من قال: هو مخير، إن شاء غسل رجليه مع وضوئه، وإن شاء أخر غسلهما إلى آخر غسله، وسوف يأتي إن شاء الله التفصيل فيه عند الكلام على غسل الرجلين.
وقيل: الوضوء بعد الغسل أفضل، وهو قول في مذهب الحنابلة (2) .
وقيل: الوضوء قبل الغسل وبعده سواءً، اختاره أصحاب الشافعي (3) ، وهو قول في مذهب الحنابلة (4) .
وقيل: إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل، نص عليه مالك وأحمد (5) .
(1) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (1/ 44) ، بدائع الصنائع (1/ 35) .
(2) الإنصاف (1/ 252) .
(3) حاشية الجمل (1/ 163) ، حاشية البجيرمي (1/ 95) ، قال النووي في كتابه المجموع (2/ 211) : قال أصحابنا: «وسواءً قدم الوضوء كله أو بعضه، أو أخره أو فعله في أثناء الغسل، فهو محصل سنة الغسل، ولكن الأفضل تقديمه» . اهـ وذكر الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري (1/ 249) : «قال أصحاب الشافعي: إن الجنب مخير، إن شاء توضأ قبل الغسل، وإن شاء بعد» . اهـ
(4) الإنصاف (1/ 252) .
(5) قال ابن رجب في شرح البخاري (1/ 245) : «وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل، نص عليه أحمد ومالك وغير واحد» .
كذا نسبه ابن رجب نصًا لمالك، وقد قال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد (22/ 93) : بعد أن ذكر إجماع العلماء على صحة الغسل بدون وضوء، قال: ومجمعون أيضًا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعون على الغسل وأهذب فيه، وأما بعد الغسل فلا». اهـ
وقال في الاستذكار (1/ 260) : «وأما الوضوء بعد الغسل فلا وجه له عند أهل العلم» . ...
قلت: لكن جاء في الذخيرة للقرافي (1/ 310) : «قال صاحب الاستذكار: أجمع أهل العلم على أن الوضوء بعد الغسل لا وجه له، وإنما يستحب قبله. قال صاحب الطراز: ظاهر المذهب أنه يؤمر بالوضوء بعد الغسل» . اهـ فجعل الوضوء بعد الغسل ظاهر المذهب، فليتأمل.
وفي كتاب النوادر والزيادات وهو من كتب المالكية (1/ 64) : «قال عنه ابن القاسم وابن نافع: وإن لم يتوضأ قبل الغسل ولا بعده أجزأه الغسل إذا أمر يديه على مواضع الوضوء» .
فظاهر هذا النص أن له أن يتوضأ بعد الغسل، والله أعلم.