حتى بالنصيحة؛ هيبةً من المساس بشعائر الدين، ومما يجعل أيضا البعض الآخر الذين قل حظهم من التدين يتجرأ على الدين نفسه إذا كان هذا هو الطريق الوحيد لنقد رجال الحسبة، وهم - أعني رجال الحسبة - الذين اضطروهم إلى ذلك، وهذا التعصب للرأي جعل بعضَ المواقع الإخبارية ذات الحضور الكبير تعمل تصويتا لا على تحجيم الهيئة بل على إلغائها بالكلية، مما يدل على أن الرحى الدائرة أصبحت تصفيةَ حسابات، وردَّ اعتبار، وإلغاءَ وجود؛ هؤلاء باسم الدفاع عن الدين، وأولئك باسم الدفاع عن المجتمع؛ كأن الدين ما أتى إلا ليقيِّد المجتمعَ، وكأن الاحتسابَ حكرٌ على فئة معينة هي فئة المعصومين. وما أَولَى رجالَ الحسبة والذابين عنهم بتدبر ما أقول؛ فإن كان حقا تلقَّوه بقلب سليم، وإن كان باطلا ردُّوه بالحجة والبرهان؛ فإن ذلك أبلغ في النصرة، وأوجب للعذر، وأشفى للقلوب، وقد يظن من لا يعلم من الناس أو لا يضع الأمورَ مواضعَها أن هذا النقد مما يفرح به الأعداءُ ويهَشُّ له المتربصون، وليس كما ظنوا؛ إذ لا يصح ولا يجوز أن نتوانى عن النصيحة أو نداهن بها بحجة استغلال بعض الأطراف المعادية لها في التشنيع والسخرية، فهؤلاء مع الأسف لم يألوا جهدا في الإغماض عن الحسنات وتكبير الزلات مما يغنيهم عن الاستعانة بمثل هذه الانتقادات، ولا أدلَّ على ذلك مما فعله ذلك المذيعُ عندما أراد أن يعمل استفتاء مباشرا على الهواء عن رجال الحسبة، فكان أول سؤال بدأ به: ما أسوأ موقف مر معك من رجال الحسبة؟!
فهل رأيتم عمى بعد هذا العمى؟ وهل سمعتم بخصومة مثل هذه الخصومة؟
وليس هذا بغريب مع انقلاب الأحوال وتغير الزمان.
والله المستعان.