العنوان: تنمية النزعة الإنسانية (1)
رقم المقالة: 521
صاحب المقالة: د. عبدالكريم بكار
خلق الله - تعالى - الدنيا داراً للابتلاء، فوفَّر فيها كل شروط الابتلاء؛ والحقيقة أننا نظلُّ في هذه الحياة في حالة من الاختبار الدائم، وهو اختبارٌ غنيٌّ بالوجوه والأشكال والمستويات.
ولعلَّ عيش الإنسان في إطار علاقات صحيحة مع ربِّه - عزوجل - ومع الناس والأشياء من حوله؛ يشكِّل الشيء الجوهريَّ في كل الابتلاءات التي نتعرَّض لها، حيث إننا مفطورون على التأثُّر الشديد بالعلاقات التي تربطنا بغيرنا، ومن ثَمَّ كان من الضروريِّ دائماً مراقبةُ تلك العلاقات وترشيدُها وتوجيهها.
ومن وجه آخرَ، فإن مما لا شك فيه أن الإنسان في الماضي كان عاجزاً عن فعل الأسوأ، كما كان عاجزاً عن فعل الأفضل، وذلك بسبب ضآلة الأدوات التي يمتلكها على صعيد البناء وعلى صعيد الهدم؛ إن الإنسان قبل مئتي سنة كان عاجزاً عن قتل الملايين بضغطة زِر، كما كان عاجزاً عن رفع درجات حرارة الأرض أو تلويث الماء والهواء، وفي الوقت نفسه فإنه كان لا يتخيَّل أنه سيكون في وسعه أن يتحدَّث في غرفة مغلقة، فيسمعه مئاتُ الملايين في مشارق الأرض ومغاربها، أو يتخذ أحدهم قراراً في شمال الأرض، فيَسعد، أو يَشقى به أناس في جنوبها...
ما الذي يعنيه كلُّ هذا؟
إنه يعني: أن القوةَ التي نملكها اليوم يمكن أن تصبحَ مصدراً لتدمير البشريَّة مادياً ومعنوياً؛ ما لم نعمِّق شعورنا بالمسؤولية نحوها، وما لم نعمِّق المشاعر الإيمانية والإنسانية في نفوسنا.
إن إنسان اليوم قد يتحوَّل إلى (وحش مسلَّح) إذا لم يقم بمبادرات كبيرة وكثيرة للمحافظة على النزعة الإنسانية لديه، بغضِّ النظر عن ديانته و (الأيدلوجية) التي يرى من خلالها الحياة والأحياء، ولعلِّي ألمس في هذا الإطار المعاني الآتية: