العنوان: السمو الروحي والجمال الفني في البلاغة النبوية
رقم المقالة: 1817
صاحب المقالة: مصطفى صادق الرافعي
السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية
لما أردتُ أن أَكْتُبَ هذا الفضل وهمَمْتُ به، عرضتْ لي مسألةٌ نظرتُ فيها جوابَها، ثم قدَّرْتُ أن يكون أبلغُ فلاسفة البيان في أوربا لعهدنا هذا رجلاً يُحسِن العربية المُبِينَةَ، وقد بَلَغَ فيها مَبْلغَ أئمتها عِلْمًا وذَوْقًا، ودَرَسَ تاريخَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - دَرْسَ الروح لأعمال الروح، وتَفَقَّهَ في شريعته فِقْه الحِكمة لأسرار الحِكمة، واستوعَبَ أحاديثه واعتبرَها بفنِّ النقد البيانيّ، الذي يبحث في خصائص الكلام عن خصائص النفس؛ وتمثلتُ أنِّي لَقِيتُ هذا الرجل فسألتُهُ: ما هو الجمال الفنيُّ عندك في بلاغة محمَّد صلى الله عليه وسلم؟ وماذا تستخرج لك فلسفةُ البيان منه؟ وما سِرُّه الذي يجتمع فيه؟
ولم يكد يَخْطِرُ [1] لي ذلك حتى انكشف الخاطر [2] عن وجه آخَرَ، وذلك أن يكون معنى هذا السؤالِ بعينه، قد وقع في شيء من حديث النفس لأَبْلَغِ أولئك العرب الذين رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به، واتبعوا النور الذي أُنزل معه، وقد صَحِبَهُ فطالت صُحبته، لا يفوته من كلامه في الملأ شيءٌ، وخالطه حتى كان له في الإحاطة بأحوال نفسه كبعض التاريخ، فتدبرْ ما عسى أن يكون سِرَّ الجمال في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - وما مرجعه الذي يُردُّ إليه؟