فهرس الكتاب

الصفحة 5494 من 19127

لو دار السؤال دَوْرِتَّيَهُ في هذه السليقة [3] العربية المحكمة، التي رجعت أن تكون فلسفة تشعر وتحس، وفي تلك الفلسفة البيانية الملهمة، التي بلغت أن تكون سَليقة تدرس وتفكر، لَمَا خلص من كلتيهما إلا برأي واحد، تلتقي عليه حقيقة البيان من طرفيها: وهو أن ذلك الجمال الفنيَّ في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - إنما هو أثر على الكلام من روحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها.

وبعدُ: فأنا في هذه الصفحات لا أَصنع شيئًا غيرَ تفصيل هذا الجواب وشَرْحِهِ، وباستخراج معانيه، واستنباطِ [4] أدلَّته، والكشْفِ عن أسراره وحقائقه؛ ولقد درسْتُ كلامه - صلى الله عليه وسلم - وقضيت في ذلك أيامًا أَتَتَبَّعُ السرَّ الذي وقع في التاريخ القفر المجدِب، فأَخْصَبَ به وأَنْبَتَ للدنيا أزهاره الإنسانيةَ الجميلة، فكانوا ناسًا إن عِبْتَهُم بشيء لم تَعِبْهُمْ إلا أنهم دون الملائكة، وكانوا ناسًا دارت الكرة الأرضية في عَدِّهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية حول نفسها، وثالثة حول أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم.

ثم تركتُ الكلام النبوي يتكلم في نفسي، ويُلهِمَني ما أُفصِح به عنه؛ فلَكَأَنِّي به يقول في صفة نفسه: إني أصنَعُ أُمَّةً لها تاريخُ الأرض مِن بعدُ، فأنا أُقبِل من هنا وهناك، وأذهب هناك وهنا مع القلوب والأنفس والحقائق؛ لا مع الكلام والناس والوقت.

إن هاهنا دِنيًا الصحراء سَتَلِدُ الدنيا المتحضرةَ التي من ذُرِّيَّتها أوربا وأمريكا؛ فالقرآن والحديث يعملان في حياة أهل الأرض، بنور مُتَمِّمٍ لما يعمله نور الشمس والقمر.

وقد كان المسلمون يَغْزُون الدنيا بأسلحة، هي في ظاهِرِهَا أسلحة المقاتلين؛ ولكنَّها في معانيها أسلحةُ الأطباء؛ وكانوا يحمِلون الكتاب والسُّنة، ثم مَضَوْا إلى سبيلهم، وبَقِيَ الكلام من بعدِهِمْ غازيًا محاربًا في العالم كلِّه حَرْبَ تغيير وتحويل، إلى أن يَدْخُلَ الإسلام على ما دخل عليه الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت