فهرس الكتاب

الصفحة 13721 من 19127

العنوان: عزيزة

رقم المقالة: 338

صاحب المقالة: د. وليد قصّاب

توقفتَ عند عتبة الباب. لم تكمل الدخول. لمحتَ شبح امرأة غريبة محجبة تجلس مع أمك. أردتَ أن تصعد إلى غرفتك فوراً، ولكن أمك نادتك:

-صلاح.. صلاح.. تعال.. لن تصدِّق منْ عندنا..

وأكملتْ أمكَ تدعوك:

-هذه عزيزة يا صلاح..

عزيزة؟ كدتَ ألا تكون سريع البديهة. هممتَ أن تتابعَ طريقك إلى غرفتك. ولكن أمك نادتك بإلحاح.

-هذه عزيزة بنت أم سليم رحمها الله.. نسيتَها؟

كاد قلبكَ يسقط بين جنبيك. عزيزة بنت أم سليم؟.. آه يا زمان.. معقول؟ كيف أنساها؟

وفي لحظات معدودة اشتغل حاسوب الرأس الرباني. رحتَ تستحضر كل شيء. بدأ الحاسوب يسترجع شريطَ ذكريات قديماً عمره عشرون سنة..

كنتَ في العاشرة، وكانت عزيزة في الثامنة، طفلان يدرجان في الحارة، جاران الحائطُ لِصْقُ الحائط.

أم سليم - رحمها الله - صديقة حميمة لأمكَ، لا تكادان تفترقان إلا في سواد الليل. الأكلة والشربة معاً، كأنهما أختان تسكنان بيتاً واحداً وليستا جارتين كلٌّ في بيتها.

أنتَ وحيد أهلك. وعزيزة وحيدة أهلها بعد أن استشهد أخوها سليم في حرب 1967 مع اليهود.

عزيزة دائماً عندكم أو أنت عندهم. كنتَ تعدُّها مثل أختك تماماً، إلى أن تناهى إلى سمعك وسمع عزيزة ذات يوم حديثٌ يدور بين المرأتين. سمَّرك في مكانك قول أمك:

-عزيزة لصلاح.. وصلاح لعزيزة.

وردُّ أم سليم:

-إن شاء الله يا أم صلاح.. أمنيتي..

نظر الصغيران كلٌّ إلى الآخر ببراءة ومودة. ولكنكَ من يوم ذاك ربطتَ مشاعرك بعزيزة. أصبح يغمرك فرح طفولي رائع كلما رأيتها، ليس فرحَ الأخ بأخته على كلِّ حال، بل فرحاً ذا طعم آخر، تنسى معها الدنيا وما فيها. تحس أنك غارق في بحر من النشوة لا تعرف لها كنهاً ولا تفسيراً.. وإذا مرَّ يوم لم ترَ فيه عزيزة اسودَّت الدنيا في عينيك، وسقطتَ من فوق الغيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت