فهرس الكتاب

الصفحة 18620 من 19127

العنوان: هذا أبي

رقم المقالة: 1111

صاحب المقالة: د. محمد حسان الطيان

أبي .. أبي..

سلامُ الله عليك أبي ..

رحمك الله يا أبي ..

كلما حاولت أن أكتبَ عنك خانتني كلُّ الكلمات، وجفَّت بيدي كلُّ الأقلام، وتسرَّبت من ذهني كلُّ الأفكار، وتعطَّلت على لساني لغةُ الكلام..

ولست أدري لهذا سرًّا أو سببا! أهو القُرب الشديد؟ - وشدةُ القُرب حجاب - أم هو البُعد الشديد؟ بُعد عالمي عن عالمك، ودُنياي عن آخرتك، ولَهوي عن سموِّك ورِفعتك.

أنت الذي علمتَني مسكَ القلمْ

أنت الذي لقَّنتَني طَعمَ الكَلِمْ

أنت الذي أعطيتَني ومنحتَني

أنت الذي روَّيتَني من كل يَمّ

أنت الذي أرشدتَني وحَبَوتَني

و زقَقتَني زقَّ الطيور بكلِّ فَمْ

أنت الذي أقرأتَني نصَّ السُّوَر

فَجَرى الكلامُ على لساني كالنَّغَم

علَّمتَني فنَّ القراءة جاهداً

من مَنهَل الكَلِم الفَصيح الملتَزِم

إي وربِّي علمني والدي القراءة.. يوم لم أكُن أعرف القراءة.. وسما بي إلى كلام ربي يوم لم أكُن أعرف إلا لَهوي ولعبي.

فقد كان يأخذُني بالقرآن أخذاً حازماً لا يعرف اللين أو الرأفَة، وإنما هو وِرد يومي لا بدَّ منه على المنشَط والمكرَه.. في البيت والمسجد.. في الطريق والدُّكان.. في النزهة والزيارة.. لا ينفكُّ يُقرئني و يقوِّمني، و يلقِّيني و يقوِّيني، يُسمعني و يَسمعني، وقد يغتالني أحياناً من أحلى الساعات إلى قلبي وأهنأ المسرَّات إلى عُمُري وأسعد اللحَظات في حياتي .. ليأطِِرَني على القراءة أطراً، ويزجُرني عن اللَّهو زجراً، فأجدني وقد جرى الدمعُ من عينيَّ وانعقد لساني فما ينبِس ببنت شَفة، وجفَّ حلقي، وامتلأت نفسي غَيظاً، وتُخطِّفتُ من دُنياي لأجدَ نفسي في دنيا أخرى!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت