العنوان: التأسيس الفكري (3)
رقم المقالة: 1007
صاحب المقالة: د. عبدالكريم بكار
لا نستطيع أن نمضي في تشييد بنية فكرية قوية؛ من غير فهم جيد للأمور التي تجعل اتفاق أهل العلم صعباً أو مستحيلاً, ومن غير فهم جيد لتأثير التكوين الثقافي في تعدد وجهات النظر، تجاه الكثير الكثير من القضايا المتنوعة, ولعلِّي أحاول ملامسة شيء من ذلك بالمفردات الآتية:
1 -ذكرتُ -في مقال سابق- أن عقولنا تعمل بواسطة أدوات معرفية, هي، على نحو عام: التعريفات، والمصطلحات، والأفكار، والمفاهيم، والمعلومات.
والمدهش في الأمر أن العقل لا يستطيع أن يستخدم هذه الأدوات دون أن يتأثر؛ وذلك لأن العقل ليس بنية متكاملة، كالجسد -مثلاً- وإنما هو مزيج معقد جداً من الإمكانات والمواهب والقدرات والمعتقدات والمفاهيم والملاحظات والقابليات والأوهام والانطباعات الهشة والرؤى الغائمة.
أي: إن العقل يظل غير واثق تماماً مما لديه, ويظل توَّاقاً إلى الكمال، وإلى المزيد من التبصر, ولهذا فإنه يستجيب في العادة للمعطيات الجديدة, ويتفاعل معها, وربما غيّر من طرحه بناء عليها, وقد حَدَثَ هذا فيما يفوت الحصر من الحوادث والحالات.
ويذكرون -في هذا السياق- أنه جرت مناظرة، بين الإمامين الكبيرين: الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام، في تحديد معنى (القَرْء) ؛ هل هو: أيامُ الحيض، أو هو أيام الطُّهر؟ وانتهت المناظرة دون أن يتزحزح أي منهما عن رأيه, وبعد مدة فوجئ الناس بتبادل هذين الإمامين للمواقع؛ حيث صار الشافعي يفتي بما كان يراه أبو عبيد, وصار أبو عبيد يفتي بما كان يراه الشافعي! وهذا منتهى الإنصاف، ومنتهى التجرد والموضوعية، ومنتهى الاحترام للأدلة والبراهين؛ من العالِمين الجليلين!