العنوان: كيف يتأسس مشروعنا الثقافي؟
رقم المقالة: 433
صاحب المقالة: د. وليد قصّاب
عرف الفكر العربيُّ الحديث منذ مطلع ما عُرف بعصر النهضة - الذي يؤرَّخ له في العادة بحملة نابليون بونابرت على مصر سنة (1798م) - عدداً من المشروعات الحضاريَّة المختلفة. وهي مشروعاتٌ مختلفة المنازع والاتجاهات، طرحها أصحابُها في محاولة للنهوض بالأمَّة من كَبوتها المأساويَّة، واسترداد دورها الإيجابي الفاعل في عهود القوَّة والازدهار، عندما كانت تصنع الحضارة، وتُصدِّرها إلى العالم أجمع، فكانت مذكورة مَهيبة الجانب على مسرح التاريخ.
ولن نتوقَّف عند مشروعات ارتداديَّة دعت إلى الانسلاخ من فكر هذه الأمَّة وتراثها، وزيَّن لها الخَوَر النفسيُّ، والعبوديَّة للفكر الغربي، أن تراث المسلمين والعرب متخلِّفٌ بائد، وهو لا يصلح لنهضة حديثة تضع هذه الأمَّة في مَصافِّ الأمم المتحضِّرة الراقية.
ومن هذا القَبيل ما دعا إليه واحدٌ مثل يوسف الخال وأغلب أعضاء"مجلَّة الشعر اللبنانيَّة"التي أنشأها لهذا التوجُّه، فقد تنكَّرت هذه الطائفة للتُّراث العربي الإسلامي، وفرَّت منه للارتماء في أحضان التراثَين: الغربي المعاصر، والمتوسطي القديم، الذي سبق الحضارة الإسلاميَّة، وعدُّوا كلاً منهما مصدرَ الإلهام الحقيقي، معلنين انتهاء الدور الحضاريِّ العربيِّ وسقوطه وتخلُّفه [1] .
وبدت حضارة الغرب الليبرالي هاجسَ هذا الفريق، فقد عدَّ الخال وطائفة من أتباعه حضارته عالميَّة إنسانيَّة، وأمعن في تنكُّره لهويَّة هذه الأمَّة وتراثها الفكري، إذ ردَّ العقل العربيَّ الإسلاميَّ إلى أصول إغريقيَّة، ملغياً - بنَزْوةِ هوى وحقدٍ دفينَين - حضارةَ أمَّة كاملة، بل منكراً أصالة هذه الحضارة وخصوصيَّتها.