فهرس الكتاب

الصفحة 15252 من 19127

العنوان: في جيبه قلم!!

رقم المقالة: 695

صاحب المقالة: د. حيدر عيدروس علي

رأيتُه في الضُّحى، والعرَق المتصبِّب من جبينه يمثل مداداً ثميناً، طبع على جبهته أبلغ عبارة في الثناء على الساعين في طِيب اللُّقمة، وما يمثله ذلك من قيمة غالية في نفوس المخلَصين من عباد الله، في زمان ذَهَل فيه عامةُ الناس عن طلب الحلال، وأصبحوا لا يبالون بمصادر الدخل، ولا بمصارفه، ينتهزون السوانح، كعشواء تخبط في العشي، لا يفرقون في مواردهم بين حرام، وشُبْهة، وحلال، ولا في نفقاتهم بين تبذير، وإسراف، واعتدال، كأنهم يجهلون ما ورد في ذلك من نصوص الشرع الناهية، والآمرة، التي تعتبر معرفتها من فروض العين، فقلت في نفسي: لعل صاحبي قد أرعى سمعه بإمعان لِما روي من حديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم، قال فيه: (( يا كعبَ بنَ عُجْرة، إنه لا يدخل الجنة لحمٌ نبت من سُحْت ) ) [1] ؛ فانتابني نحوه شعوران:-

الأول: شعورٌ بالغبطة في طلب الحلال، والفرح به، ويدل على ذلك إتقانه لصنعته التي قوبلت بالثناء من كثير من الروَّاد.

والثاني: شعورٌ بالشفقة من شدَّة الكدح، وأذى الفَيْح، مما يعانيه الخبَّاز في مهنته.

وبين هذين الشعورين تناوبني إحساسان؛ إحساسٌ بالسرور بما أنا فيه من نعمة، تمثلت في الرزق الذي يأتي بنَصَب قليل، وإحساس بالكَدَر دهَمَني من شعوري بالتقصير في شكر هذه النعمة، وإن كنت- في سروري بها - أُكمِّم أنفي من غبار كثيف، تبعثه نوافذ من مصارف شتى، ضرُّه لمن يجده أشد من ضرِّ الدخان للمصدور!

وظل هذا الأمر في ذهني، إلى أن رأيته في المسجد - في ظُهر ذات اليوم - في ثياب غير ثياب الخِبازة، وقد نهض من أداء فرض الصلاة، فأبصرتُ في جيبه قلماً!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت