العنوان: من لآلئ القلوب: الصِّدق
رقم المقالة: 879
صاحب المقالة: بدر بن محمد عيد الحسين
الصِّدقُ يتصدَّر مكارم الأخلاق كما تتصدَّر الشمس مجموعةَ الكواكب، فهو روضةُ القلوب الغنَّاء، وزهرةُ المروءةِ الفيحاء، وابتسامةُ الضَّمائر الواعدة.
الصِّدق بساطُ المحبَّة الناعم، وعُرى الألفة المتماسكة، وظلُّ السِّدرة المتراخي في وقت الهاجرة.
وُلِد معَ أول إطلالةٍ للشمس على ربوعِ البريَّة، وهمى مع أول سحابةٍ ماطرة بثَّت ظماءَ التلال أشواقَها البِكر، وفاح مع أول نسمةٍ شذيَّة هبَّت على أرجاء المعمورة، فعانقت حِمى البيت العتيق، وتعطَّرت - وهي معطَّرة - من أَرَجِ السماء الزكيِّ.
تكتنفُ سَمْتَهُ طلعةٌ رائقة ذاتُ مهابة ووَقار، وتعلو جبينَه مسحةٌ لطيفةٌ من الوَسامة.
هو درَّة في ليلٍ تدجَّى، وبريقٌ في جوهرة لم يحجُبْ سَناها طينُ القيعان أو زَبَدُ الموج الثائر.
قرأتُ عنه في الكتب فوجدته في أروع السُّطور، وأٍسمى المقامات، وأرفع الدرجات.
ونشدتُه في الناس فوجدتُه في أزكاهم نَفساً، وأطيبهم مَحتداً، وأحاسنهم أخلاقاً، وأنقاهم قلباً.
بحثتُ عنه في الشعر فوجدتُه وقد استحوذَ على أبلَغ الصُّور البيانيَّة، وأعذب التعابير وأرقِّها.
ما أشبهَه بالكلأ الزاهي الذي يحرِّكه نسيمُ الصَّبا المندَّى من صدى عشق الفجر المبارك، في الوقت الذي يَعجِز فيه دَويُّ الرَّعد الغاضب وثورةُ الزلازل المهتاجة عن تحريكه.
لكم جرَّبت من الأصدقاء فكان الصدقُ هو الأوفى، ولكم عاشرتُ من الصُّلَحاء فكان الأصلحَ..
كيف لا ؟! وهو صوت الحقِّ، ولغة البيان، وثمرةُ الإيمان.. قال تعالى: {يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اتَّقُوا الله وكُونُوا معَ الصَّادِقين} [1] .
فما أبلغَها من آيةٍ أبرَزت قيمةَ الصِّدق، وجعلته أشبهَ بجذرِ الشَّجرة الذي تتغذَّى منه الأغصان، فالأوراق، فالبراعم، ثمَّ الثمار اليانعة.