العنوان: كيف نؤسس نظرية للنقد العربي؟
رقم المقالة: 531
صاحب المقالة: د. وليد قصّاب
لم يهتمَّ نقدنا العربيُّ القديم بإنشاء نظرية متكاملة في النقد الأدبي، أو بتأسيس المذاهب والمدارس على طريقة النقد الحديث في هذه الأيام، بل كان - في مجمله - نقداً جزئياً قلَّ أن تناول العمل الأدبيَّ بأكمله.
كان - في أغلبه - على شكل آراء متناثرة مبعثرة، يتَّسم كثير منها بالأصالة والعُمق، ويتَّفق مع أحدث ما توصَّلت إليه المناهج النقديَّة الحديثة، ولكن الطابع العامَّ لهذه الآراء النقدية كان الإيجاز والجزئيَّة، ولم يأخذ شكلَ النظرية، أو المذهب، أو المنهج، بالمفهوم العلميِّ المعاصر.
في العصر العباسي نَضِجَ النقد العربي نضجاً كبيراً، وبدأ - في القرنين الرابع والخامس الهجريين خاصة - يتَّجه إلى العُمق والتكامل، وراح يعالج قضايا نقديَّة هامَّة: كاللفظ والمعنى، والطبع والصَّنعة، والقديم والحديث وغيرها، ثم تبلورت فيه شبه نظرية متكاملة للشعر تمثَّلت فيما عُرِف بمصطلح (( عمود الشعر ) )الذي تحدَّث عنه - على خلاف في التصوُّر والأهداف - كلٌّ من الآمدي والقاضي الجرجاني والمرزوقي..
كما تشكَّلت على يدَيْ عبدالقاهر الجرجاني نظريةٌ نقدية بلاغية لغوية هي (( نظرية النَّظْم ) )التي حاولت الخروج من عباءة الجزئية إلى ثوب النصِّ المتكامل، واجتهدت - بمهارة واقتدار مشهودَين - أن تتجاوزَ ثنائية (( اللفظ والمعنى ) )الحادَّة إلى معالجة النصِّ الأدبيِّ في إطار من التكامل بين هذين العنصرين من خلال النَّظم أو ما أصبح يُعرف في الدراسات الحديثة بالأُسلوب.
ولكنَّ النقد العربيَّ القديم لم يُرزَق - للأسف الشديد - بعد الآمدي والجرجانيَّين وحازم القرطاجَنِّي - نقاداً كباراً على هذا المستوى، يكملون مسيرة التنظير الجادِّ له، ويستفيدون من الإنجازات الهامة التي حقَّقها هؤلاء.