العنوان: مشكلة وقت الفراغ
رقم المقالة: 1955
صاحب المقالة: زهير الكرمي
منذُ أن بدأ الإنسان حياتَهُ على هذه الأرض صيَّادًا، يَصْرِف طولَ نهاره، وبعضًا من ليلِه عاملاً في نَصَبٍ وشقاء؛ لِيوفِّرَ الغِذاءَ لنفْسِه ولأُسْرَتِه، وهو يَحلُمُ بِتَوْفِير ما يَحتاجُ ويَشْتَهِي بأقلِّ جُهدٍ يَبْذُله أوْ بِدُونِ جُهدٍ مِنْهُ، ولم يتغيَّرْ حُلْمُ الإِنسان عندما تحوَّل الإنسان إلى مُزارع، وظلَّ الحُلم يراود الإنسان بإلحاح عندما مَرَّ الإنسان عَبْر تاريخِهِ الطويلِ بحضاراته المختلفة.
وصحيحٌ أنَّ بعضًا منَ الناس حصلوا في حياتهم على ما يحتاجون دون جُهد كبير، إلا أنَّ هؤلاء كانوا قِلَّة، وبقيتْ غالبيةُ الناس تشكو التَّعب إلى حدِّ الإرهاق، والبُؤْسَ إلى حَدِّ التعاسة، والقلقَ والخَوْفَ إلى حدِّ فِقْدَانِ الكرامة، والفَقْرَ والجوعَ إلى حدِّ التَّنازُل عنِ الإنسانية، وحتَّى الفئةُ القليلة التي حصلتْ على ما تحتاج بسهولةٍ ويُسْرٍ شعرتْ دومًا بأنَّ ما أُتِيح لها ليس كلَّ ما تَشْتَهِي، وظلَّتْ تُعانِي من إحساسٍ بِفِقْدان شيء غامضٍ أُسْمِيَ السعادةَ، ويَنْجُمُ الغموض عنِ اختلاف الناس اختلافًا كبيرًا في تحديد مفهوم السعادة.
ولمَّا كان المفهوم يتأثَّر كثيرًا بما يَفْتَقِدُهُ الفرد في حياته، ونظرًا لاختلاف ما يَفْتَقِدُهُ الناس كثيرًا؛ بسبب اختلافهم أنفُسِهِمْ؛ لا بل إن الفرد نفسَه يَختلِفُ مفهومُهُ عنِ السعادة في فترات متعددة من حياته، كان هذا التضارب في تحديد مفهوم السعادة.
وفوق ذلك: فإنَّ غالبية بَنِي البَشَر كانوا يفتقدون الكثير مما يحتاجون ويشتهون، وبذا كان مفهوم السعادة عندهم أكثرَ غموضًا، وأصعبَ تحديدًا.