ولا شكَّ أنَّه من غير المنطقي أن يعيش الإنسان - خليفةُ الله في الأرض وسيِّدُها - عُمرَهُ المحدودَ في شقاء وتعاسة ومَرَارَةٍ، حتَّى إنَّ الموت كان - وما زال - بالنسبة للكثيرين الحلَّ الأمثلَ للراحة مما يعانون.
ولَمَّا كانت حاجاتُ الإنسان المادّيَّةُ أسْهَلَ تحديدًا من حاجات الإنسان النفسيةِ والروحيةِ، انصرفتْ جُهود الإنسان أوَّلَ ما انصرفتْ إلَى مُحاولة توفيرها وجمعها وخزنها.
وكانتْ أنانِيَةُ الإنسان سَبَبًا في تصارُع الأفراد والجماعات الإنسانيَّة؛ في سبيل توفير هذه الحاجات، وضمانِ المزيد منها، وكان طبيعيًّا أن تَزيد هذه الصراعاتُ في أَسَى الإنسان، وبُؤْسِهِ، وشقائه، وتعاسته.
وحتَّى في أغْنَى المُجتمعات كان هناك دومًا فريقٌ كبير من البائسين والفقراء، الذين عاشوا ويعيشون حياتَهم في ضَنْك وبُؤْس، وماتوا ويموتون، وكثيرٌ منِ احتياجاتِهم مُجرَّد أحلام لم تتحقَّق.
وكما ذكرنا في البداية يعود جزء من هذه التعاسة إلى اختلاف الناس فيما بينهم في القُدُرات والإمكانات، وعدم تساويهم، غير أنَّ جزءًا آخر من هذه التعاسة يرجع إلى ظلم الناس بعضهم بعضًا، واستغلالهم لمن يستطيعون استغلاله.
ولا بد من الإشارة إلى أن الحيوان يَصْرِفُ معظم وقته وجُهده في سبيل توفير الغذاء لنفسه ولصغاره، ولذا فإن منَ الظلم أن يُفرَضَ على فريق منَ الناس ألا يرتفعوا عن مستوى الحيوان هذا، ففي ذلك حطٌّ من قَدْر الإنسان، وإحباط لإنسانيته؛ لأن معظم وقته يجب أن يُخَصَّصَ لاهتماماتٍ متعلِّقَةٍ بفِكره ووِجْدَانِهِ وزيادةِ فَهْمِهِ لبيئته ونفسِه وبَنِي جِنْسِهِ ومستقبَلِهِ على هذه الكرة الأرضية.