فهرس الكتاب

الصفحة 19024 من 19127

العنوان: ولادة الصبح

رقم المقالة: 173

صاحب المقالة: بدر بن محمد عيد الحسين

سُكونٌ ووُجومٌ يَلُفَّان أُفُقَ الكوْنِ بِمائِهِ ويابِسِهِ،

وَشَبَحُ الظَّلامِ يقترب من الأشياء، ويلامِسُها، وَيَتَغَلْغَلُ فيها،

ويزداد سواداً فَتَتَّحِدُ طبقاتُهُ، وتَتَماسَكُ خُيوطه ليسْدِلَ سِتارَةً سَميكَةً على الكوْن،

إنه ملعبُ الليل حيث يَصولُ وَيَجُولُ،

إنها النَّشْوَةُ والذُّرْوَة.

ومن بين ذلك الرُّكام طَفِقَ الجنينُ الصَّغير - على قِلَّةِ عَزْمِهِ وضعف حاله - يَتَمَلْمَلُ في رَحِمِ الكون لِيَطْرُدَ ما غَشِيَهُ ببُطءٍ شديد.

أجنِحَةُ الفارس بدأت تضعُف،

وخيوطُ الظلام هاهي تَنْجابُ عن جَبْهَةِ الوَليدِ المُنيرَةِ،

وها هي امتداداتُ العَتْم بدأت بالانكِماش.

في خِضَمِّ هذا الْمَخاضِ المُتَداخِل يَتَجَرَّأُ ضِياءُ الصُّبحِ فَيََنْسَلُّ من غِمْدِ اللَّيْل،

وتَصيحُ الدِّيَكَةُ مُعلنةً بَدْءَ الولادة،

وتخترق المآذنُ جُدرانَ الصَّمت،

فيستأنِسُ الجنينُ ويَتَشَجَّعُ ويصرخُ ويَتنَفَّسُ تنفُّساً ينشرُ الضِّياءَ والعَبيرَ إلى أَعالي الرُّبا،

وإلى دُروبِ الحقول و أعشاش الطُّيور..

إنها ولادة الصُّبح المنير...

إنها ساعةٌ من السَّحَرِ وَالتَّأَمُّلِ ما أروَعَها.

ساعَةٌ عَذراءُ يُكَلِّلُها الطُّهْرُ، ويَلُفُّها الصفاء، ويُزَيِّنُها النَّقاء.

ساعَةٌ هي أَشْبَهُ ما تكونُ بلقاء الأحِبَّة،

حيثُ يغازلُ الصُّبْحُ فيها أزرارَ الياسمين فَتَتفَتَّحُ، وأكْوامَ القشِّ فَتَلين، وسنابلَ القمح فتنحَني، وأوراقَ الأغصان فتطرَبُ وتتمايل.

إنه جَمالٌ رَبَّانِيٌّ صَاغَهُ الخالق عَزَّ وجلَّ.

جمالٌ تتحرَّك لأجلهِ الشمسُ من مَكانها فتشرقُ، وتُثَارُ الطيورُ من وُكناتها فَتنطلِقُ، ويَنْسابُ الظِّلُّ من رُقادِهِ فيمْتَدُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت