العنوان: الهدية
رقم المقالة: 723
صاحب المقالة: ملك الحافظ
إن الرابطة بين المعلم والمتعلِّم لا يعرف قدْرها إلا مَنْ ذاق حلاوتَها وعايش فُصولَها، ومارس طُقوسَها، إنها لَعلاقةٌ أغلى بكثيرٍ من علاقة النَّسَب، وأسمى بكثير من رابطة القَرابة!!
لو توَّجوني ملكةً أو نصَّبوني أميرةً، فلن أرضى إلا أن أكونَ معلِّمةً!
منذ ثلاثين سنة وأنا أكتب، ما تسرَّب المللُ إلى قلبي، ولا الوَهن إلى قلمي، كتبتُ على أوراق الدفاتر، وعلى صفحات القلب، على جبين القمر، وضفائر الشمس، عن أعظم مخلوقين عاشا على سطح هذا الكوكب: إنهما المعلِّم والأم!!
في شهر آذارَ تتزاحم المناسبات، وقد جرت العادةُ أن أكتبَ في كلِّ مناسبة كلمةً أُلقيها على الطالبات في الحفل الذي نقيمُه في المدرسة، وحدث أن كتبتُ كلمةً عن الأم، ولم يُتَح لي أن ألقيَها في الحفل العام، وحين دخلتُ الصفَّ، طلبت مني طالباتي أن أقرأَ لهنَّ ما كتبتُ، وهذا ما حدث، وما إن انتهيتُ من قراءة هذه الكلمة حتى طلبت مني إحداهُنَّ أن تأخذَها لتقرأَها على أُسرتها في البيت، استجبتُ لطلبها، وفي اليوم التالي، دخلتُ إلى الصفِّ، فابتدرَتني قائلةً، وهنا أحبُّ أن أنوِّه أن هذه الطالبةَ كانت من أحبِّ الطالبات إليَّ، كانت ذكيةً، قوية الشخصية، حاضرةَ البديهة، تتمتَّع بالشجاعة الأدبيَّة التي تُعجبني، والتي أُشجِّع طالباتي عليها.
قالت لي: (يا معلِّمتي! أنت يجبُ ألا تكوني معلِّمة!!)
فوجئتُ بقولها أيَّما مفاجأة، وخُيِّل لي -للحظة- أنها تَهجوني، وأنها رأت فيَّ شيئًا لم أره في نفسي، ولكن من عادَتي ألا أتسرَّعَ، وأن أقبلَ النقد الموجَّه إليَّ حتى ولو كان من طالبةٍ صغيرة ما تزال في الصفِّ السابع.
صمتُّ، ونظرتُ إليها نظرةَ استغراب مَشوبة بالدَّهشة، وحاولتُ جاهدةً أن أُلملمَ ذاتي المبعثرة، ولم ألبَث أن سألتُها: ومَن قال لكِ هذا؟؟