العنوان: الدنيا أمد والآخرة أبد
رقم المقالة: 2001
صاحب المقالة: محمد يوسف الجاهوش
أخرج ابنُ سعد عن الشعبي قال: كتب عمرُ بنُ الخطاب إلى العلاء بن الحضرمي وهو بالبحرين:"سِرْ إلى عتبةَ بنِ غزوان؛ فقد وليتُك عمله، واعلم أنك تَقْدَم على رجل من المهاجرين الأوليين الذين سبقت لهم من الله الحسنى، لم أعزِلْه ألاَّ يكون عفيفاً صليباً، شديد البأس، ولكنني ظننتُ أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه، فاعرِف له حقَّه. واعلم أن أمر الله محفوظ بحفظه الذي أنزله، فانظر الذي خُلِقت له فاكدَح له، ودَعْ ما سواه؛ فإن الدنيا أمد، والآخرة أبد، فلا يشغلك شيء مدبر خيرُه عن شيء باقٍ شرُّه، واهرُب إلى الله من سخطه، فإن الله يجمع لمن يشاء الفضيلة في حكمه وعلمه. نسأل الله لنا ولك العون على طاعته والنجاة من عذابه" [1] .
لا يستطيع العقل إلا أن يقف مبهورًا أمام شخصية الفاروق -رضي الله عنه-. لقد شغلته همومُ الدعوة ومصالح المسلمين عن كل شيء.
إنها أولى اهتماماته التي لا يقدّم عليها شيئًا أبدًا، ولا يحابي فيها أحدًا، تلمس ذلك في جميع تصرفاته، لا سيما في إسناد المهمات والأعمال التي تمس مصالح الناس المباشرة.
فولاة الأقاليم وقادة الجند ورجال الدولة لا يختارُهم إلا من الصنف الذي يغلب على ظنه أن خير المسلمين ونفعهم على يديهم، ولا يجد غضاضة أن يعزل من سواهم، ولو كان من المهاجرين الأولين الذين سبقت لهم من الله الحسنى. ما دام غيرُه أكثرَ فائدةً وأغزر عطاء، ويزداد به الإسلام قوة، والمسلمون نفعًا.
والمدهش في شخصية الفاروق -رضي الله عنه- أنه لا يترك من يوليه دون أن يزوده بخطة عمل متكاملة، توقظ لديه المشاعرَ الإيمانية، وتجعله موصولَ القلب بالله -عز وجل- يقلقه الخوف ويطمئنه الرجاء.