العنوان: الأدب والغزو الفكري
رقم المقالة: 359
صاحب المقالة: د. نازك الملائكة
لعل الفرق بين الغزو العسكري والغزو الفكري هو الفرق بين المحسوس والمعنوي، فهما كلاهما غزو، وإنما الفرق بينهما في الوسائل والنتائج وما يستثيران في الأمة من طرق المقاومة فالغزو العسكري يتصدى للقوة محافظًا على شيء من الصراحة والعدالة. أما الغزو الفكري فإنه لا يقتل بالنار والحديد وإنما يهدم بالكلمة والحرف والمعنى وسوى ذلك من سلاح غير محسوس، فهو ينطوي على الظلم والخبث معًا.
وإنما وجه الخطر في الغزو الفكري أنه يستهدف روح الأمة وجذورها فلا يلقيها إلا وهي أشبه بثمرة امتص رحيقها، فلم يبق منها غير القشر والنوى. وما ذلك إلا لأنه يمسخ شخصية الأمة: أي نبع الأصالة والإبداع فيها فيشلها عن النمو والحياة. بينما لا ينجح الغزو العسكري في أكثر من تخريب مظاهر السكن والعمران، وهي أمور يمكن تعويضها لأنها لا تمس جوهر الحضارة ولا روح الأمة.
ثم إن مقاومة الغزو العسكري أسهل من مقاومة الغزو الفكري لسببين اثنين:
الأول: أن الهجوم العسكري الصريح، يستثير أغلبية أفراد الأمة فيهبون للجهاد ودفع العدو، بينما لا يستثير الغزو الفكري إلا القلة المدركة من عقلاء الأمة وذوي الرأي فيها. وسر ذلك أن الأغلبية قلما تستطيع إدراك المعنويات، ولا هي تتحسس الخطر على حياتها من عدو يهاجم الأفكار والآراء.
والسبب الثاني: أن وسائل الأمة في مقاومة الغزو العسكري ميسورة، هي السلاح والفداء والجهاد، بينما لا يجدي مثل ذلك في مقاومة الغزو الفكري لأن العدو هنا غير مرئي ولا تقتله النار، فلابد للأمة أن تلجأ إلى أسلحة أصعب كالإرتفاع إلى آفاق الأخلاق والثقة بالنفس وكرامة الذهن العام.