العنوان: الصيامُ عبرَ التاريخ
رقم المقالة: 1466
صاحب المقالة: د. محمد المنصور
الصومُ في اللغة مطلقُ الإمساك عن أي عمل، حتى جاز أن يقال: صام عن الكلام، أي سكت وأمسك عن الحديث، وإلى هذا يشير قول الله -سبحانه- حكاية عن السيدة مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] .
وجاء المعنى الشرعيُّ موائماً لهذا المعنى اللغوي.. فلم يخرج عن دائرة الإمساك والتوقف، وإنما أحيط بقيود خاصة أضفتها عليه طبيعةُ الصياغة الشرعية للغة؛ فقال الفقهاء: إنّ الصومَ شرعاً هو الإمساك عن جميع المفطرات. وفي هذه الأيام المباركة من شهر رمضان تفيضُ القلوب بمشاعرَ طيبةٍ تلتمس بها رضاء الله باقتباس أنوار من المعرفة تجلى لها فضائل الصوم وآثاره الكريمة.
وتزداد النفوسُ المسلمة خشوعاً لله كلما ازداد إحساسها بأنه تعالى كان رحيماً بالمسلمين حين فرض عليهم صومَ رمضان بنظام محكم لإقامة توازن كامل بين نَزَعات النفس ورَغَبات الروح، أملاً في أن تتسامى إلى معارج الخير، فلم يرد سبحانه بفرض الصوم مجردَ الحرمان مما أحله تعالى، وإنما ليساعدهم على تطهير نفوسهم وتحريرها من حجب المادة حتى تلتمس السعادة في صفاء النفس ونقاء الخاطر {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] .
وقد مارس الإنسان بفطرته منذ العصور الموغلة في القدم أنواعاً متعددة من الصيام استجابةً منه إلى رغباته النفسية وحاجاته البدنية.. مارسه في أول الأمر كوسيلة للتداوي فكان إذا أحس بالتخمة أمسك عن تناول الطعام حتى يبرأ ويشفى.