وقد روى الأئمةُ والفقهاءُ أن أول من صام من الناس أبو البشر آدم -عليه السلام-، وكان أول صيامه عقب نزوله إلى الأرض وقبول الله دعاءه وتوبته، وكأن حكمة الله اقتضت أن يكون أول صوم لأول إنسان وسيلة لشكر الله والتقرب إليه. كما روي أنه كان يصوم الأيام الثلاثة البيض من كل شهر قمري ابتداء من الليلة الثالثة عشرة منه حتى نهاية اليوم الخامس عشر.
وقد صام عقب آدم عليه السلام نبيُّ الله نوح عليه السلام هذه الأيام البيض، وزاد عليها صيام اليوم الذي نجاه الله فيه من الطوفان شكراً لله، يؤيد ذلك أنه قد روي عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يصوم الأيام الستة التي تعقب عيد الفطر فإذا كانت هذه الأيام البيض الثلاث تبلغ في جميع شهور السنة ستة وثلاثين يوماً فإن عدة رمضان حين تكتمل ثلاثين يوماً وتضاف إليها هذه الأيام الستة تتساوى في مجموعها مع مجموع الأيام التي كان يصومها نوح عليه السلام.
والإنسانيةُ عبر تاريخها الطويل عَرَفت أنواعاً شتى من الصيام مارسه كثيرٌ من الشعوب في بقاع كثيرة من أرض الله كوسيلة للعبادة، إذ أكّد الفقهاءُ أن الله تعالى لم يخص المسلمين وحدهم بفرض الصيام عليهم دون غيرهم ممن سبقهم من الشعوب والأمم؛ بدليل قوله تعالى عن فريضة الصوم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم} [البقرة: 183] ، وروى كثيرٌ من المحدثين أن الصيام لدى العرب كان أثراً مألوفاً من بقايا ما جاء به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وأن شريعة الإسلام قد أقرّت كثيراً من شعائر العرب التي كانت سائدة قبل الإسلام بعد تنقيتها من مظاهر الوثنية؛ يؤكد ذلك قولُ الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13] .
صيام مختلف: