فهرس الكتاب

الصفحة 6135 من 19127

ورد في كتاب الله الكريم إشارات واضحة على أن الإنسانية عرفت منذ القدم أنواعاً شتى من الصيام، أكثرُها غرابةً الصومُ عن الكلام؛ فقد جاء في قصة العذراء مريم قولُه تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً} [مريم: 26] .

مما يوضح أن صيامها حينئذ كان إمساكًا عن الكلام واكتفاءً بالإشارة في التفاهم مع قومها؛ بدليل قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [مريم: 27] .

وتحدث القرآن الكريم عن زكريا -الذي كفل مريم بنت عمران- أنه دعا الله قائلاً: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89] ، فاستجاب الله له ووهبه يحيى، فسأل زكريا ربه أن يجعلَ له آية تطمئن بها نفسُه، فأجابه تعالى بقوله الكريم: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] .

فصدق الله وعده، وبارك له فجعل يحيى تقيا وباراً بوالديه، فآيته كما اقتضت مشيئة الله -تعالى- كانت في صمته وعدم تحدثه مع غيره من الناس لمدة ثلاثة أيام، وهذا يدل بوضوح على أنه اتخذ من صومه بالامتناع عن الكلام وسيلة للتقرب إلى الله.

تصحيح المسار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت