وتاريخُ الأمم والشعوب حافلٌ بصور كثيرة للصيام تحفز كل فكر واع وصادق الإيمان إلى الاقتناع بأن الصوم الكريم الذي فرضه الله على المسلمين أراد الله به تصحيحَ المسار الذي عرفته البشرية من قبل في هذا الشأن، فهو عبادة كريمة فرضت من لدن حكيم عليم أراد لعباده منه تهذيبَ قلوبهم والتسامي بنفوسهم عن الخضوع لإسار الرغبات أملاً في أن تقهر نزواتها ويكتمل لها بالصوم ما يريده الله لها من خير ورحمة.
فقد اقتضت حكمتُه تعالى منذ أول يوم فرض الصيام فيه في شعبان من السنة الثانية للهجرة أن يقترن بالحكمة الإلهية المفهومة من تزامن فرضه بزمن بدء الجهاد في سبيل الله وفرضه كذلك في شهر القرآن كرافدين كريمين يتضمنان أعظم المعاني، كما اقتضت حكمته تعالى أن يرقى بعباده في صومهم عما كانت عليه الأممُ السابقة التي كانت تلتزم في صيامها بأساليبَ غريبةٍ، فقد روي أن بعض الشعوب كانوا يقتصرون في صيامهم على الإفطار مرة واحدة كل أربع وعشرين ساعة مما كان يدفعهم إلى تناول قدر كبير من الطعام والشراب استجابةً منهم لدواعي الجوع والعطش حتى تصيبهم التُّخَمة والخمول.
وقد حفظ المسلمون -على تعاقب الأجيال- لهذا الشهر حرمتَه وميزته، فأقبلوا يضاعفون فيه العمل الصالح ويزدادون نشاطاً واجتهاداً، في ليله ونهاره، في قيامه وصيامه، يستيقظون فيه كثيراً، وينامون قليلاً، يرصدون قدومه للتزود من صالح الأعمال والأخلاق حتى تكون مضاعفة الحسنات، حيث فضل الله بعض الأيام على بعض، وفي قمة هذه الأيام المفضلة شهر رمضان.
سلسلة مترابطة: