العنوان: خواطر حول عبارة (لا يعرف الحق بالرجال)
رقم المقالة: 1019
صاحب المقالة: أبو مالك وائل العوضي
قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي في آخر (الاعتصام) :
(( إذا كان الحق هو المعتبر دون الرجال فهو أيضا لا يعرف دون وسائطهم فهم الأدلاء عليه ) ).
قرأت هذه العبارة في آخر كتاب الاعتصام للشاطبي منذ خمس عشرة سنة، وساءني أنه قد مات دون أن يتم هذا الكتاب الفذ الذي لم ينسج على منواله، فلم يذكر بعد هذه العبارة شيئا!!
ثم خطر لي أن أعلق على هذه العبارة بما يعِنُّ لي:
فإن كثيرا من الناس يقول هذه العبارة ولا يفهم مقتضاها ولا ما ينبغي أن تحمل عليه (الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق) !!.
نقول: إنما عُرف الحق عن طريق نقل الرجال، ولولا أن أحدنا وَقَفَ على ما نقله له العلماء والحكماء والفقهاء والثقات من الرواة لما أمكنه بحال من الأحوال أن يعرف الحق الذي يظن أنه هو الحق.
ثم إن هذا الحق إما أن تكون وقفتَ عليه لغيرك فعرفتَ أنه الحق، أو تكون عرفته من قبل نفسك، فإن كنت وقفت عليه لغيرك فقد جاءك الحق من الرجال، وإن كنتَ عرفته من قبل نفسك فلا يخلو إما أن تكون استنبطته من العقل أو من النقل، فإن كان من النقل فقد جاءك هذا النقل عن طريق الرجال، وإن كان من العقل فلا يخلو إما أن يوافقك عليه بعضُ العقلاء أو لا يوافقك عليه أحدٌ، فإن وافقك عليه بعضُ العقلاء فقد صار لقولك قوة بانضمام قول الرجال إلى قولك، فهذا اعتبار لقدر قول الرجال، وإن لم يوافقك عليه أحدٌ من العقلاء فقبيح بك أن تقول قولا لم تسبق إليه ولا يوافقك عليه أحد من عقلاء العالم.