فهرس الكتاب

الصفحة 6023 من 19127

العنوان: الصفعة

رقم المقالة: 215

صاحب المقالة: د. وليد قصّاب

لا تفتأ رسائلها عليه تترى، تحرضه على العودة، بل تسترحمه وتقسم عليه أن يعود:

-لم يعد شيء يحملك على البقاء.

العمر ينفد، ولن تستطيع الحصول على كل شيء، وإن بقيتَ هنالك عمرين..

تفعل كلماتها في نفسه فعل السحر. تستحلب الدمع من عينيه،

تؤجِّج نيران الشوق في صدره.

وكم بات وهو يعتزم أن ينهض في الصباح ليتدبر أمر العودة إلى الوطن!

ولكنه ما إن يهمَّ أن يخطو خطوة واحدة في هذه السَّبيل حتى تدهمه الأفكار، وتبدأ حسابات الربح والخسران.

يحمله التفكير فوق أجنحة الغيم، فلا ينام ليلتذاك، وما يلبث سحرُ كلامها أن يتلاشى، بل أن يتبخر كما تتبخر قطرات الماء التي أصابتها شمس الظهيرة..

عنده خمسة أولاد...

لا يستطيع ما جمعه من المال خلال عشر السَّنوات التي قضاها هنا أن ينهض بتدريس واحد منهم تدريساً محترماً في كلية من هذه الكليات التي يحلم بها..

لا يستطيع ما جمعه أن يشتري فرشاً لائقاً لبيت متواضعٍ اقتناه بعَرَق أكثر من نصف سنوات الغربة التي مرت عليه هنا..

آهٍ.. ما أجمل كلامها.. وما أرقَّ رسائلها.. ينفعل بها، يتلبسه الحنين من رأسه إلى قدميه.. يحسّ أنه مسكون بالوطن وناسِه فقط، سيطير إليهم مع هذه العصافير الكثيرة السَّابحة..

ولكنْ.. تعترض (لكنْ) حلقه كالشوكة الجارحة، أو كالغصَّة المحرقة، فيتبدد الألق من حوله، ويبدأ النكوص:

-سأبقى.. لما يحِنْ بعدُ وقت العودة..

يسأله محمود صديقه في الغربة:

-إلى متى ستبقى؟

يردُّ عليه يائساً:

-ماذا أفعل إذا عدتُ؟.. سأنفق مامعي خلال مدة يسيرة..

سيكون الوضع هنالك خروجاً من غير دخول، دفعاً من غير قبض..

البطالة ضاربة أطنابها.. و (( البطَّال ينفد ما معه وإن كان بيت مال ) )..

يقول له محمود:

-ولكنَّ وضعك هاهنا سيئ.. عملك ليس على ما يرام..

يرد منهياً الحوار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت