فهرس الكتاب

الصفحة 15379 من 19127

العنوان: قرية جاحدة

رقم المقالة: 125

صاحب المقالة: أماني العشماوي

عاشَ أهلُ القريةِ سنينَ طويلةً في سعادةٍ ورخاء؛ فقد كانت أرضُهُمْ خِصبةً وغنيةً، تُخرِجُ كلَّ عامٍ محصولاً وفيرًا.. يملؤونَ منه مخازنَهُمْ وأوعيتَهُمْ.

كانت المخازنُ تفيضُ، والأوعيةُ تتشقَّقُ من شدةِ امتلائها.. وكانَ النّاسُ يأكلونَ ويُطعِمون أبقارَهُمْ، ولا يخافونَ أن تنفَد الغلالُ أبدًا.. فقد كانت أكثرَ وأوفرَ من حاجتهم.

ذاتَ يومٍ، تسامعتْ طيورُ الغِربان عن هذه القريةِ الغنيّةِ الهنيّةِ.. فطارت إليها من كلِّ مكانٍ؛ في جماعاتٍ كأنّها غَمامةٌ سوداءُ كبيرةٌ.. ثم حطَّتْ على الأشجارِ المحيطةِ بالحقولِ. فلمّا انتهى النّاسُ من أعمالِهم، وانصرفوا إلى بيوتِهم. هَبَطَتِ الغِربانُ إلى الأرضِ، وأكلَتْ من الغَلَّةِ حتى أُتْخِمَتْ. فعادَتْ إلى مستقرِّها على الأشجارِ.. ونامَتْ.

في الصَّباحِ، فوجِئَ أهلُ القريةِ بمقدارِ الغلَّةِ التي التهمَتْها الغربانُ. فتجمَّعُوا حولَ الأشجارِ، يصيحونَ ويلوِّحونَ بقبضاتِهمْ مُهدِّدينَ. لكن الغربانَ لم تُلقِ إليهم بَالاً. وظلَّتْ على أغصانها تنعَبُ دونَ خوفٍ.

حملَ الناسُ أقواسَهمْ وسهامَهُمْ، وأخذوا يطلقونَ السِّهامَ على الطيورِ. لكنَّها كانت أذكى من أن يصيبوها. إذ كانت تجلسُ بهدوءٍ على الأغصانِ، أو تطيرُ ببطءٍ حولَ الأشجارِ. وكلَّما اقتربَ سهمٌ من أحدِها، انحرفَ يمينًا أو شمالاً، فيُخْطِئُهُ السهمُ. فيعودُ إلى الغصنِ مرةً أخرى، ناعبًا، مستهزئًا بحماقةِ الناسِ وإخفاقِهِمْ.

ظلَّتِ الغربانُ تهبطُ كلَّ يومٍ إلى الحقولِ، فتأكُلُ حتى تشبعَ.. حتى خافَ الناسُ أن تقضيَ على غِلالِهِمْ.. فقالوا لزعيمهم:"إذا لم تُخَلِّصْنا من هذه الغِربان، ستأكلُ محصولَنا كلَّه، وسنموتُ جوعًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت